انتقل إلى المحتوى
الأحد 1 نوفمبر 2026
آخر الأخبار
مجتمع

المراسلون الصحافيون بالمغرب.. عطاء ميداني في خدمة الإعلام وواقع مهني ينتظر الإنصاف

شكّل المراسلون الصحافيون، على امتداد عقود، إحدى الركائز الأساسية للعمل الإعلامي بالمغرب، واضطلعوا بدور محوري في نقل الأخبار ومواكبة الأحداث المحلية والوطنية بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية. ففي مراحل كان فيها عدد الصحافيين المهنيين محدوداً، ساهم المراسلون بجهودهم الميدانية واتصالاتهم المحلية في سد جزء مهم من الفراغ الإعلامي، وكانوا بمثابة حلقة وصل بين المؤسسات الصحافية والمجتمع، ينقلون انشغالات المواطنين ويوثقون الأحداث من قلب الميدان.

ولم يكن دور المراسل الصحافي مقتصراً على نقل الأخبار أو إرسال الصور والتقارير، بل تجاوز ذلك إلى رصد القضايا المحلية، ومواكبة التحولات التي تعرفها المدن والجماعات، وتسليط الضوء على الاختلالات والمبادرات، وإيصال صوت المناطق التي لا تحظى دائماً بالاهتمام الإعلامي الكافي. وهو ما جعل هذه الفئة حاضرة بقوة في بناء المشهد الإعلامي الوطني، رغم ما واجهته من صعوبات مهنية وميدانية.

غير أن التحولات التي شهدها قطاع الصحافة والإعلام بالمغرب، وما رافقها من تطور في التكوين الأكاديمي وظهور معاهد ومؤسسات متخصصة في تكوين الصحافيين، أعادت إلى الواجهة إشكالية الوضعية القانونية والمهنية للمراسلين، ومدى الاعتراف بأدوارهم داخل المنظومة الإعلامية.

وفي هذا السياق، سبق لوزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن أوضح أن القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين لا يمنح المراسلين صفة مهنية مستقلة، باعتبار أن الحصول على بطاقة الصحافة المهنية يخضع لمعايير وشروط قانونية محددة، ترتبط بممارسة المهنة وفق المقتضيات المنظمة لها.

وإذا كان تنظيم مهنة الصحافة ووضع ضوابط قانونية لممارستها أمراً ضرورياً لضمان الاحترافية والمصداقية، فإن ذلك لا يلغي أهمية الدور الذي يؤديه المراسلون في خدمة الإعلام الوطني، ولا ينبغي أن يتحول غياب صفة مهنية مستقلة إلى سبب لتهميش هذه الفئة أو التقليل من قيمة مساهماتها الميدانية.

فالمراسل الصحافي يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام مسؤوليات ميدانية كبيرة، تتطلب الحضور المستمر والتفاعل مع الأحداث، والتعامل مع مختلف المؤسسات والسلطات والفاعلين المحليين، دون أن تتوفر له دائماً الحماية القانونية والمؤسساتية الكافية، أو الاعتراف الذي يتناسب مع طبيعة المهام التي يؤديها.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عندما يجد المراسل نفسه حاملاً لاعتماد صادر عن مؤسسة إعلامية، لكنه يواجه أحياناً صعوبات في التعامل مع بعض الجهات أو أثناء ممارسة مهامه، فضلاً عن غياب إطار واضح يضمن حقوقه ويحمي كرامته، ويحدد طبيعة علاقته بالمؤسسة الإعلامية التي يمثلها.

إن المطالبة بإنصاف المراسلين لا تعني تجاوز القانون أو المساس بشروط الحصول على صفة الصحافي المهني، كما لا تعني الحلول محل المؤسسات والهيئات المخول لها قانوناً تنظيم القطاع، وإنما تعكس الحاجة إلى فتح نقاش جاد حول وضعية هذه الفئة، والبحث عن صيغة قانونية ومؤسساتية تضمن الاعتراف بدورها وتحمي حقوقها المشروعة.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التفكير في إحداث إطار جمعوي وطني خاص بالمراسلين الصحافيين، يكون فضاءً للترافع عن قضاياهم والدفاع عن كرامتهم، وتقديم المقترحات الرامية إلى تحسين وضعيتهم، فضلاً عن توفير المواكبة والمساعدة القانونية عند تعرضهم لتجاوزات أثناء أداء مهامهم، وتنظيم دورات للتكوين والتأهيل المستمر، وتعزيز حضورهم في النقاشات المتعلقة بمستقبل الإعلام المغربي.

كما أن وجود إطار جمعوي مستقل من شأنه أن يساهم في توحيد جهود المراسلين، وإيصال انشغالاتهم إلى المؤسسات المعنية، والدفاع عن مصالحهم المهنية في إطار القانون، مع احترام الاختصاصات الدستورية والقانونية للمجلس الوطني للصحافة وباقي المؤسسات المختصة.

كما أن المراسل الصحافي ليس مجرد حلقة ثانوية في العملية الإعلامية، بل هو عين المؤسسة الصحافية في الميدان، وصوت العديد من المناطق والقضايا التي تحتاج إلى من ينقلها بمهنية ومسؤولية. ومن غير المنصف أن يستمر الاعتماد على جهوده في تغطية الأحداث وإيصال المعلومة، دون فتح نقاش حقيقي حول حقوقه ووضعه المهني وسبل حمايته.

وبين ضرورة تنظيم المهنة والارتقاء بمستوى الممارسة الصحافية، تظل الحاجة قائمة إلى مقاربة منصفة تعترف بقيمة العمل الميداني للمراسلين، وتحفظ كرامتهم، وتوفر لهم إطاراً واضحاً يضمن حقوقهم ويعزز مساهمتهم في تطوير الإعلام المغربي.

فإنصاف المراسلين ليس امتيازاً، بل هو اعتراف بعطاء ميداني ساهم لسنوات في خدمة الخبر والإعلام والمجتمع، وحان الوقت لفتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول مستقبل هذه الفئة ومكانتها داخل المشهد الصحافي الوطني.

بقلم

الصديق نادي

كل مقالات الكاتب

التعليقات

كن أول من يعلّق

أضف تعليقك

التعليقات تُراجع قبل نشرها. نرحّب بالنقاش المحترم ونحذف السب والتشهير والإشهار.