Advertisement

رشيد لرزق يكتب: في الحاجة إلى حكومة سياسية خالصة

 

د. رشيد لزرق
رئيس الحكومة مطالب بالتحرك، وفي وقت قياسي، لكي لا يسجل التاريخ أن وصوله كان متأخراً، فهناك صدمة لدى المغاربة في بعض أعضاء الحكومة الذين قدموا للمغاربة على أنهم الأكفأ والأكثر نزاهة، لذلك حظوا بشرف التعيين الملكي وحظوا بثقة البرلمان، فهذه الثقة اهتزّت. ما حصل يُعدّ سقطةً أخلاقية لا يحتاجها المغرب في هذا الظرف بالذات.
إن المرحلة الحالية تقتضي حكومة سياسية، باعتبار أن أزمة البلاد مركبة، والكفاءات الإدارية تحتاج إلى توجيه سياسي. في وقت نحتاج إلى إصلاحات جذرية في كل المجالات باعتبار أن الأزمة الحالية هي أزمة هيكلية وليست ظرفية.

لهذا فإن التعديل ينبغي أن يكون على أسس واضحة المعالم والأهداف، على مستوى برنامج عمل حكومي يتسنى معه للفريق الحكومي العمل باستقرار وبتجانس وفق بوصلة واضحة لتنزيل البرنامج الحكومي.
إن إعادة الثقة في الحكومة تستوجب تحديد من المسؤول السياسي الأول عنها، عزيز أخنوش باعتباره رئيسا لها والمبادرة لطرح التعديل الحكومي باتت ضرورية وليست خيارا سياسيا فحسب فهناك حالة فراغ على مستوى عدد من القطاعات الحكومية، إضافة إلى شبهات وتضارب مصالح لدى بعض الوزراء، مما يستوجب من رئيس الحكومة التحرك في إجراء التعديل قبل منتصف الولاية الحكومية، بغاية المحافظة على بعض من مصداقيتها وإضفاء مزيد من الفعالية على عمل الحكومة، واستدراك نقط ضعفها فكيف للحكومة تنزيل برنامجها، وهناك تضارب للمصالح يتطلب محاربة الفساد، وبعض أعضائها تدور حولهم شبهات. وكيف الحديث عن دولة المؤسسات وتصريحات بعض الوزراء كشفت كون بعض أعضائها استخفوا واستهانوا بالرأي العام؟
وينبغي لرئيس الحكومة في مرحلته القادمة أن تكون أولوياته الكبرى محاربة الفساد؛ عبر إعادة هيكلة بعض القطاعات وإحداث كتابة الدولة في الماء وإعادة هيكلة وزارة الفلاحة بضخ فيها كفاءات لكون واقع الحال وأزمة الغلاء أظهرت أن بعض أطرها باتت محدودة العطاء.
إننا أمام تنزيل الحمولة الاجتماعية للدولة ينبغي مواجهة التحديات الحالية بغية تحقيق الدولة الاجتماعية ولا يمكن تحقيق هذه الانطلاقة في ظل وجود وزراء شرعوا في استغلال مناصبهم الحكومية.
إن التعديل الحكومي في هذا الوقت بالذات هو من مصلحة رئيس الحكومة والأحزاب المشاركة في حكومته الذين بنوا البرنامج الحكومي على تحقيق الدولة الاجتماعية، وبعث رسالة سياسية أن هناك تقييمًا للأداء الحكومي بعد مرور أزيد من سنة على تنصيبها، وفي هذه المرحلة بالذات الذي يإن في المواطن المغربي في موجة غلاء يجب بعث رسالة أن أطراف الحكومة متفاعلة مع الشعب وتؤكد حرص الحكومة على دفع التنمية ومعالجة القضايا الجوهرية التي تتعلق بمصالح المواطنين.
فمن المفروض أن يرتفع عمل البرلمان في إطار الرقابة والتشريع ولا يبقى فقط ماكينة تصويت توفر الدعم لمشاريع الحكومة.
الهدف من التعديل الحكومي هو الرفع من الفاعلية والنجاعة بما يتلاءم مع التحديات التي تواجهها الحكومة وتنزيل مخططاتها.
لهذا فإن منطلقات التعديل ينبغي أن تكون بروح وطنية وعدم خضوع لأي شكل من أشكال الابتزاز والمقايضة، ينبغي في أعضائها أن يكونوا من وزراء لا يرتقي شك إلى نزاهتهم، وأنه لا مجال لتعيين أشخاص تحوم حول سيرتهم وتصرفاتهم شكوك.
كما إن رئيس الحكومة ينبغي أن يقيم فريقه الحكومي خاصة أن هناك تقييمًا سلبيًا لعمل حكومة كشفتها نتائج على أرض الواقع في ظل تفاقم الأزمة الاجتماعية وتعثر برامج الإصلاح وممارسات بعض أعضاء الحكومة التي لا تنسجم مع شعارات الحكومة وبالتالي ضرورة رحيل أعضائها غير القادرين على تقديم حلول في ظل سياسات الحكومة اللااجتماعية المفقرة لعموم الشعب المستهدفة لقوت المغاربة والتي أنتجت الزيادات المجحفة في الأسعار مما انعكس سلبا على المقدرة الشرائية لمختلف الشرائح.
فمناخ عدم الثقة المشحون بالتوترات، خاصة في ظل الخناق الذي تفرضه الحكومة على مواطنيها، سيؤدي إلى زلزال وانفجار اجتماعي في عدة قطاعات، بسبب الأزمة الاقتصادية، وعدم قدرة الدولة على معالجة الأوضاع المعيشية الصعبة.
فالغلاء أصبح زاحفا وشاملا وجامحا، والحكومة نهجت أسلوب الصمت في ظل العجز عن كبح الأسعار، في ظل إجراءات غير مجدية نتيجة ضعف الأجور، وهو ما يجعل وطأة الغلاء مضاعفة.
تواصل النسق التصاعدي للأسعار يحبط كل المحاولات الرسمية للمعالجة، وفي ظل غياب برنامج لتحفيز الاستثمار وزيادة نسب النمو.
تردّي المشهد السياسي، وفقدان الثقة في الأدوات الحزبية والزعامات الحزبية التي من المفترض أنها تحمل مشروعا للعدالة الاجتماعية والمناضلة ضد السياسات اللبيرالية المتوحشة، سيفاقم من حجم الحركات الاجتماعية لمواجهة آلة سحق الحقوق الاقتصادية ــ الاجتماعية، هذه المطالب الاجتماعية يمكن أن تتحول إلى مطالب سياسية في ظل جيل غاضب، يراكم النضالات لإبقاء جذوة المواطنة والكرامة، في انتظار أن تختمر الظروف أكثر وتتطور وتكبر وتخرج من محابسها المؤسساتية إلى الشارع.

أتركين: كابرانات الجزائر يعادون المغرب ويرفضون رفع علم المملكة

حنان أتركين*

لا تعدم الجزائر الفرصة ولا المناسبة لاستفزاز بلادنا واستفزاز المغاربة…في مسلسل لا يريد أن ينتهي، ولا تلوح في الأفق تباشير نهايته…تصرفات خرقاء، صادرة عن معتوهين، وليس رجالات دولة، يسيرون كيانا يسمى دولة…
آخر ما جادت به عبقرية الكابرانات، هي الإصرار على عدم رفع العلم المغربي في مباراة شبيبة القبايل والوداد البيضاوي، لماذا؟ لا جواب…لقد وضعوا علم الجزائر إلى جانب علم الكاف، الهيئة الراعية لمسابقة عصبة الأبطال الإفريقية، لكن علم الضيف الذي سينازله الفريق الجزائري، أو على الأقل الذي يلعب تحت رايته، علم بلاده غير موجود، لماذا؟ الجواب غير معروف…لكن مسيري الوداد، أوقفوا هذه المهزلة واحتجوا على المنظمين، وعوض أن يعيدوا الأمور إلى نصابها، بأن يرفعوا العلم المغربي، لكي تكتمل الصورة الرسمية، إسوة بكل ملاعب الكون، تتفتق ذهنية الكابرانات لحل آخر، وهو إزالة العلم الجزائري…
كيف تم القبول بإزالة علم الدولة الراعية، الدولة التي تحتضن المباراة، الدولة التي يوجد الملعب فوق أرضها وتحت سيادتها؟ بل الأنكى، أن هذا الملعب يحمل اسم 5 جويليه، وهو التاريخ الذي تفتخر به الجزائر وتقدمه عنوانا لاستقلالها، فكيف تقبل بإزالة العلم في ملعب الأجدر أن يحتضن هذا العلم، بعد أكثر من قرن من الاستعمار الفرنسي؟…
قد نستفيض في طرح الأسئلة، لأن هذه السابقة، غير المحكومة بمنطق ولا أفق، تستفز العقل والشعور معا…لكن ما انتهيت إليه، أن الجزائر يمكن أن تفعل أي شيء سوى أن ترفع أو تذكر أو تسمع رموز الدولة المغربية بها، حتى ولو كلفها ذلك التنكر لرموزها الوطنية، أو ما تسوقه على أنه ذلك…لأن لا اعتقاد لها في تلك الرموز، فهي تعرف يقينا أنها خطأ في التاريخ، وأنها رقعة أوْجد الفرنسيون حدودها من اقتطاع أجزاء من دول الجوار، وأن لا ما ضي لها تعزه سوى ماضي مستعمريها، وأن ما خلقته من ذاكرة لا يصمد أمام حقائق التاريخ…لكل ذلك، فإن ثوبا بلونين الأبيض والأخضر…-أما الهلال والنجمة فهما من مخلفات العثمانيين ورايتهم الحربية…وإن اجتهد الكراغليون فبدلوا لونهما الأبيض فصار أحمرا-…فلا يعني لها شيئا…ولو أقسمت باسم “النازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات”…
أحد الظرفاء قال أن المباراة حقيقة كانت تحتاج إلى إزالة العلم الجزائري، لأنها تجمع فريقا مغربيا بفريق له حكومة في المنفى ولها علم خاص بها، ومجالها الترابي لم يقرر مصيره بعد…وبصنيعها تعترف الجزائر أن القبايل لا تلعب تحت راية الجزائر وباسمها، وأن الكاف أقحمها ضمن الأندية الجزائرية قسرا إلى حين تقرير مصيرها، كما تدعو إلى ذلك “الماك” التي تتخذ من باريس مقرا لها…وإلى ذلك الحين، فإن مباراة شبيبة القبايل ستلعب فقط تحت راية الكاف، وحضن افريقيا دون أي انتماء إلى أي دولة…وإن كان الملعب يحمل يافطة “5 جويلية”…هذا التاريخ الذي أراد الكابرانات أن يغطوا به التاريخ الحقيقي تاريخ الاستفتاء الذي كتب على ورقته “هل تريد أن تصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة في تصريحات 19 مارس 1962″؟ …
يقال عادة إن المؤرخ عدو السياسي…ونقول إن التاريخ والذاكرة عدوا الكابرانات تحديدا…
د. حنان أتركين: عضو لجنة الخارجية بمجلس النواب

حمضي:لقاح الانفلونزا الموسمية يحمي من الإصابة ومن الحالات الخطرة والوفيات

بقلم:الطيب حمضي*

تعتبر الانفلونزا الموسمية مرضا ناتجا عن الإصابة بفيروسات الانفلونزا وتصيب أساسا الجهاز التنفسي . تتراوح أعراض المرض ما بين الخفيفة أحيانا والشديدة: ارتفاع درجة حرارة ل 40 درجة مئوية غالبا، قشعريرة وتعرق، صداع، سعال جاف مستمر، تعب وإرهاق، سيلان الأنف، التهاب الحلق، ألم في العضلات وقيء واسهال احيانا عند الاطفال.

في الغالب عند الشباب الاصحاء تشفى الانفلونزا بعد اسبوع او اثنين من المرض، لكن عند بعض الفئات من دوي عوامل الخطورة قد تتطور الاصابة الى حالات خطيرة ووفيات .

تبلغ الوفيات الناتجة عن الانفلونزا الموسمية عالميا ما بين 300 و 650 الف وفاة سنويا. ومن أهم عوامل الخطورة: السن فوق الخامسة والستين، وجود أمراض مزمنة مهما كان السن كالسكري والضغط وامراض القلب والجهاز التنفسي وغيرها من الامراض المزمنة، ضعف الجهاز المناعي، النساء الحوامل، السمنة.

المضادات الحيوية تقتل الباكتيريا وليس الفيروسات لدلك من الخطأ استعمالها لعلاج الانفلونزا. لا يصف الاطباء هده المضادات الا ادا انضافت اصابة باكتيرية فوق الفيروس. ويكون العلاج عادة عند الشباب الاصحاء الراحة وشرب الكثير من السوائل فقط، ولكن في بعض الحالات دات الهشاشة قد يصف الطبيب أدوية مضادة للفيروس.

الانفلونزا ليست هي نزلة البرد Rhume. وان كان كلاهما من أمراض الجهاز التنفسي، فهناك اختلاف في نوع الفيروسات المسببة، كما تتشابه أعراض المرضين، ولكنها تكون أكثر حدة وتنوعا وتبدأ بشكل مفاجئ في حالات الانفلونزا بينما تكون تدريجية وخفيفة وغالبا تتلخص في صداع وسيلان الانف في نزلة البرد.

أهمية أخذ لقاح الانفلونزا الموسمية

تصيب الانفلونزا سنويا ملايين الناس، يصاب بعض الأشخاص بأعراض بسيطة، وقد يدخل آخرون إلى المستشفيات واقسام الانعاش ويتوفى مئات الالاف سنويا بسبب المضاعفات الناجمة عن العدوى. كما ان الاصابة تشكل ضغطا على لمستشفيات و الاطر الصحية ، وتتسب في الغياب عن العمل والدراسة طيلة موسم العدوى، مع ما لدلك من اثر على الحياة الاجتماعية والمردودية الاقتصادية للمقاولات والدول.

يساهم أخذ لقاح الانفلونزا مرة واحدة سنوياً في تقليل احتمالية الإصابة بالمرض ونقل العدوى للآخرين بنسبة قد تصل ل90%. وتحمي من الحالات الخطرة والوفيات بشكل هائل. ويعتبر لقاح الانفلونزا من اللقاحات الآمنة وتعتبر منافعه اهم بكثير من بعض الاثار الجانبية القليلة والبسيطة من قبيل الام واحمرار مكان الحقنة.

الفئات التي ينصح بأخذها اللقاح

جميع الأشخاص ابتداءً من سن ستة أشهر بإمكانهم أخذ اللقاح، ويعتبر جد مفيد لهم طبيا وصحيا. ولكن يعتبر أخذ اللقاح من قبل الفئات التالية أولوية باعتبارهم أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات الانفلونزا:

1 جميع البالغين من عمر 65 عاماً فما فوق، 2 جميع من يعانون من امراض مزمنة او تُضعف المناعة مثل الحالات التالية: السكري أمراض القلب، أمراض الرئتين، أمراض الكبد، أمراض الكلى، السرطان. 3 النساء الحوامل خلال جميع مراحل الحمل. 4 المهنيون الصحيون لحماية مرضاهم وحماية انفسهم ليبقوا اصحاء في مواجهة موسم الامراض الدي يتطلب حضورهم اكثر من أي وقت.

يجب اخد اللقاح ابتداء من شهر اكتوبر، وهو حقنة واحدة بالنسبة للبالغين والاطفال فوق 9 سنوات، وتبدا فعالية حمايته اسبوعان بعد اخد الحقنة. تستمر فعاليته من 6 الى 8 أشهر حيث يكون موسم الانفلونزا قد انتهى.

فيروسات الانفلونزا تتحور باستمرار لدلك تتغير اللقاحات كل سنة لمواجهة الطفرات الجديدة.

المغرب سيستعمل هده السنة كالسنتين الفارطتين لقاحا بأربع سلالات عوض ثلاث سلالات كما كان سابقا حتى تكون الحماية أكبر.

وبالنسبة للفئات الهشة فان الارشادات الطبية توصي بشكل قوي بتلقيهم لقاح الانفلونزا ولقاح كوفيد 19 لحمايتهم من المرضين معا.

*طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية.

 

 

 

 

 

 

 

هل ينجح وزير التربية الوطنية بامتحانات الباكالوريا؟

*عبد الناصر ناجي

في مثل هذا الوقت من كل سنة يكون التلامذة وجموع المواطنين والمواطنات مع موعد مع استحقاق وطني يشد إليه الأنظار ويحبس الأنفاس. ميزته الكبرى أن قطاع التعليم، الذي يعتبر رسميا الأولوية الوطنية الأولى بعد قضية الوحدة الترابية للمملكة، يصبح حديث الخاص والعام والحدث الأبرز في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي. لكن بدل أن يكون مناسبة لتقييم حصيلة سنة دراسية كاملة بما لها وما عليها، وما يترتب عن ذلك من مساءلة لإصلاح المنظومة التربوية من أجل تطويرها نحو الأفضل، تطغى على امتحان البكالوريا، موضوع هذا المقال، أحاديث تدور أساسا حول تأمين ظروف إجراء الامتحان، وتخصيص العدد الكافي من الأطر التربوية والإدارية لحراسة التلامذة، وتسريب المواضيع، وانتشار أساليب الغش باستعمال أحدث الأدوات التكنولوجية. بالإضافة إلى الأهم بالنسبة للجميع، وخاصة الوزارة الوصية، الذي يتجلى في الحصيلة الرقمية المتمثلة أساسا في نسبة الناجحين والناجحات وعدد من نجح منهم بميزة. ويبدو أن مؤشر النجاح بالنسبة لكل وزير يكلف بتدبير قطاع التعليم هو أن تكون نسبة الحاصلين على البكالوريا أفضل في عهده منها في عهد من سبقه على رأس الوزارة. وهكذا ربح هذا المؤشر أكثر من عشرين نقطة في ظرف خمس سنوات فقط، لتنتقل نسبة النجاح في البكالوريا من 61.7 في المائة سنة 2016 إلى 81.8 في المائة سنة 2021، وإذا واصلت تقدمها على نفس المنوال فإنها ستصل هذه السنة إلى حوالي 87 في المائة.

يحصل ذلك ومنظومتنا التربوية تعاني من ضعف مردوديتها الداخلية بشهادة جميع التقارير الوطنية والدولية بما في ذلك تقرير النموذج التنموي الجديد والبرنامج الحكومي 2021-2026، هذا الأخير الذي ركز على تحسين جودة التعلمات وجعله هدفا مركزيا في الالتزامات الحكومية المتعلقة بالتعليم. ومن مظاهر ضعف فعالية المنظومة نذكر نسبة إنهاء التعليم الإلزامي بدون تكرار التي لا تتجاوز 27 في المائة وهو ما يعني أن 27 تلميذا فقط من بين 100 ولجوا التعليم الابتدائي يتمكنون من الحصول على شهادة التعليم الإعدادي دون تكرار. هذه النسبة تصل مع ذلك إلى حوالي 62 في المائة إذا احتسبنا سنوات التكرار لكن جميع الدراسات تؤكد أن التكرار لا يساعد أبدا على تحسين مستوى التلاميذ بل على العكس من ذلك، الشيء الذي يعني أن المنظومة التربوية المغربية تلجأ إلى تخفيض متطلبات النجاح في الامتحانات الإشهادية من أجل الرفع المصطنع من نسب النجاح.

هذا الاستنتاج تدعمه الأرقام المتعلقة بنسب التلامذة المغاربة الذين لا يتمكنون من الكفايات الدنيا المطلوبة في كل مستوى دراسي، والتي تكشف عنها الدراسات الدولية التي يشارك فيها المغرب، سواء تعلق الأمر بتيمس التي تركز على تقييم التحصيل الدراسي في العلوم والرياضيات في الابتدائي والإعدادي، أو بيرلز التي تنصب على تقييم التحصيل الدراسي في القراءة في الابتدائي، أو بيزا التي تتعلق بتقييم التحصيل الدراسي في القراءة والعلوم والرياضيات بالنسبة للتلامذة البالغين من العمر 15 سنة. هذه الأرقام تؤكد عموما أن ثلثي المتعلمين والمتعلمات في وطننا العزيز لا يتحكمون في الكفايات الدنيا الأساسية، وهو تقريبا نفس المعطى الذي يؤكده البرنامج الوطني لتقييم التحصيل الدراسي الذي تنظمه الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. مما يعني ضعف جودة التعلمات في المدرسة المغربية التي عرفها القانون الإطار بــــ”تمكين المتعلم من تحقيق كامل إمكانياته عبر أفضل تملك للكفايات المعرفية والتواصلية والعملية والعاطفية والوجدانية والإبداعية”.

وعندما نزاوج بين هذا الضعف في الجودة والرفع من نسب النجاح في الامتحانات الإشهادية يترتب عن ذلك وجود فجوة كبيرة بين سنوات التمدرس التي يقضيها المتعلم في المدرسة المغربية وعددها الحقيقي في ميزان جودة التعلمات. وهذا بالضبط ما أكده البنك الدولي عندما ابتكر مؤشر الرأس مال البشري الذي يحدد قابلية الجيل القادم لتحقيق متطلبات التنمية الشاملة والمستدامة، والذي اعتبر جودة التعليم من الركائز الأساسية لتحقيق هذا الهدف، وليس الشهادات المحصل عليها، لأنها لا تعكس بالضرورة المستوى الحقيقي للحاصل عليها، خاصة في بعض الدول.  وهو ما دفعه إلى اعتماد مؤشر جديد للتعليم يقيس السنوات المتوقعة للدراسة، لكن بعد تعديلها وفقا لمستوى الجودة. وبتطبيق هذا المفهوم على المنظومة التربوية المغربية، خلص البنك الدولي إلى أن السنوات المتوقعة للتمدرس بالنسبة للتلميذ المغربي تنخفض بأربع سنوات عند تعديلها باحتساب جودة التعلمات، التي تجسدها النقط المحصلة من طرف التلامذة المغاربة في التقييمات الدولية مثل تيمس وبيرلز. وإذا أردنا التبسيط، فهذا يعني عموما أن التلميذ المغربي الحاصل اليوم على شهادة البكالوريا، يعتبر بمقياس جودة التعلمات لم يحصل بعد حقيقة حتى على الشهادة الإعدادية.

ويبقى عامل جودة التعليم هو الأكثر تأثيرا في المراتب التي يحصل عليها المغرب في التصنيفات الدولية، وحتى بالمقارنة مع الدول التي توجد معه في الوضعية الاقتصادية نفسها المرتكزة على مؤشر الناتج الداخلي الخام حسب الأفراد، فإن المغرب لا يوجد في وضعية مريحة لأن دول مثل غواتيمالا وإندونيسيا تتجاوزه بسنتين في مؤشر سنوات التمدرس المعدلة بجودة التعلمات، بل إن فيتنام تتفوق عليه بأربع سنوات. وبذلك يكون الإنجاح المدرسي الهادف إلى تحسين نسب التمدرس الخام، وليس الصافية، بدون اكتراث بمستوى جودة التعلمات، هي السياسة التي جعلت منظومة التربية والتكوين في المغرب تعيش الأزمة المزمنة التي هي عليها اليوم. معدل التكرار المسجل، الذي يخفي واقعا أمر من ذلك بكثير، هو فقط من الأعراض التي تنبهنا إلى وجود اختلالات في العملية التعليمية، فنتعامل معه بمنطق تدبير التدفقات بين مختلف أسلاك التعليم دون أن يكون الهاجس الأساس هو تحسين جودة التعلمات. حتى إذا وصلنا إلى حاجز البكالوريا دبرنا هذا الامتحان على أساس أن يكون واجهة لتلميع منظومتنا التربوية من خلال العمل على تحقيق نسب عالية من النجاح وعدد كبير من الميزات ومعدلات مرتفعة تكاد تصل إلى النقطة الكاملة. وعندما ينجح ذلك الكم الهائل من التلامذة كل سنة في امتحان البكالوريا يلتحق أغلبهم بمؤسسات التعليم العالي ذات الاستقطاب المفتوح، ويفشل ربعهم في تجاوز السنة الأولى لأنهم بكل بساطة لا يتوفرون على المستوى الدراسي المطلوب لمتابعة الدراسة في التعليم العالي.

بعد جائحة كورونا، وبالنظر إلى عدم تمكن التعليم عن بعد من سد ثغرة التعليم الحضوري وما ترتب عن هذه الوضعية من تراجع في رصيد التعلمات قدر في السنة الأولى للجائحة بالثلث، فإن نسبة التلامذة المغاربة في سن 15 سنة الذين لا يتمكنون من الكفايات الدنيا في العلوم والرياضيات والقراءة سيرتفع إلى 85 في المائة حسب توقعات الدراسة التي أنجزتها اليونسكو بشراكة مع اليونيسيف والبنك الدولي. كما أن نسبة الأطفال المغاربة في سن عشر سنوات الذين لا يحسنون قراءة نص بسيط سيرتفع من 66 في المائة قبل الجائحة إلى 76 في المائة بعدها حسب الدراسة نفسها.

في ظل كل ذلك اجتاز تلامذتنا امتحان البكالوريا، فهل سترتفع نسبة نجاحهم على نفس منوال السنوات الفارطة رغم الخصاص في التعلمات الذي راكمه معظم المتعلمين إبان جائحة كورونا، أم أن وزير التربية الوطنية الطامح إلى رفع جودة التعليم ببلادنا سيسهر على عدم السماح بالنجاح إلا لمن تتوفر فيه المواصفات المطلوبة؟ يقتضي ذلك بالضرورة القطع مع مجموعة من الممارسات التي كان يساس بها هذا الاستحقاق الوطني الهام والتي تخدم كلها هدفا واحدا هو الإعلان كل سنة عن رقم قياسي جديد بالنسبة لنتائج البكالوريا. ويقتضي ذلك أيضا أن تكون نسبة النجاح في البكالوريا هذه السنة لا تتجاوز 60 في المائة. فهل ينجح السيد الوزير في هذا الامتحان الصعب؟

العيد الكبير ومعاناة الفقير

عبد الإله شفيشو/فاس

خير ما نستهل به هذا المقال هو ما ورد في حديث نبي الإسلام "مُحَمَّد بن عَبد الله" لما قال:(مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ
وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى).
لم يعد يفصل المسلمين عامة والمغاربة خاصة عن عيد الأضحى سوى أيام معدودة وفي خضم السعادة التي تكتنف
الجميع يبقى الأطفال الأكثر بهجة بهذه المناسبة فبها يمرحون كل يوم مع أضحيتاهم كل واحد منهم يباهي بأن أضحيتهم
أكبر من باقي أضاحي أصدقائه مستعملا عبارة (حولينا أكبر من حوليكم)، لكن مهلا، مهلا، مهلا ماذا إن عدنا للحديث
النبوي وكسرنا حاجز الفرح هذا من أجل التبصر في صورة أخرى والتي ليست سوى واحدة من بين آلاف الأسر التي
تعاني من الفقر بالمجتمع المغربي ففي الوقت الذي يتباهى به أفراد الطبقات المتوسطة و الغنية بما حملت لهم مناسبة
العيد من أضحيات مليحة نجد أسر أخرى و أفراد الطبقات الفقيرة تعاني في صمت كيف لا وأثمنة الأضاحي تتضاعف
خلال هذه الفترة ويستغلها السماسرة و الشناقة كي يحصلوا على أرباح أكبر غير مكترثين بعجز فقير ولا لهفة كادح و
لا نظرة طفل بائسة لحقه في حياة لائقة.
عندما يقترب العيد في المغرب تتفاقم الأوجاع والهموم على رؤوس الفقراء فتجرح مشاعر وكرامة من لا حول ولا قوة
ولهم عندما ترى أعينهم جيرانهم يبحثون عن خروف العيد لأبنائهم فيهد كيانهم بسبب عجزهم عن إدخال الفرحة في
قلوب أبنائهم هذا هو حال الفقراء طيلة أيام العيد الذين لم تعد جيوبهم تتحمل تفاقم النفقات وغلاء الأسعار تمر عليهم
لحظات العيد بطيئة رتيبة لحظات انكسار وانهزام صعبة جدا ما أثقلها خاصة على ذلك الفقير الشريف العفيف الذي
يأنف أن يمد يده إلى الغير يشعر المسكين بالنقص والذل وهو يلتفت يمنة ويسرة فلا يرى إلا الخيبة أمامه فيمر العيد
عنده كأي يوم عابر لا نكهة له ولا طعم ولا أي شيء يمكن الوقوف عليه سوى أن العيد مناسبة فقط لتعميق جراحه
وفتح أبواب همومه وغمومه على مصراعيها، ينهزم الفقير أمام سؤال ابنه :ما الذي حرمنا نحن من هذا ؟ لماذا هم
سعيدون ونحن لا؟ والذي لا يجد له جوابا فترسم الخيبة على وجهه ويظهر العجز على محياه فيحاول بعض الآباء عبثا
منع أطفالهم من مشاركة أقرانهم أفراح العيد خشية أن يترسخ عندهم شعور النقص رغم أن ذلك يزيدهم شعورا
بالانطوائية والعداء والدونية.
شرع الأضحية وحكمتها:
يكثر سؤال المواطنين المغاربة وخاصة الفقراء منهم للمشايخ والفقهاء عن قضايا متعلقة بهذه الشعيرة هل هي فرض؟
أم هي سنة مؤكدة للقادر عليها؟، لكن الإشكالية الحقيقية في الموضوع هي أن تتحول سنة الأضحى من شعيرة وعبادة
وقربة يتقرب بها إلى الله إلى طقس اجتماعي وعادة مجتمعية بعيدا عن كل أبعادها الروحية ومقاصدها الشرعية
وتتحول كذلك لإكراه اجتماعي يبذل فيه الفقير كل ما يملك حتى لو اضطر للاقتراض و الدوس عن كرامته واذا اقتضى
الحال بيع لحم جسده دفعا لما يمكن أن يلحق بأبنائه من حرج ولما يمكن أن يصله من نبز وغمز من محيطه وجيرانه،
فبدل من ذلك التماهي مع تصورات المجتمع وثقافته أن نرفع الوعي ونصحح التصورات بشأن الفهم السليم بخصوص
الأضحية واعتبارها سنة لا يأثم تاركها بل نؤكد على ضرورة الخضوع للأولويات وبناء الاختيارات خاصة حين يزدحم
وقت العيد الكبير مع التزامات أسرية لا بد منها، فليس شراء أضحية العيد وصرف المال فيها بأولى من صرفه في
شراء الكتب المدرسية التي يتعلم بها الأبناء ويرفعون بها الجهل وينمون بها قدراتهم المعرفية خاصة ونحن على
أبواب الدخول المدرسي وتبعاته ومصاريفه فلا شك أن هذه أولى وأحرى بصرف المال من صرفه على لحم يؤكل ونار
توقد.
لقد حثت الرسالات السماوية المختلفة والقيم الإنسانية على أهمية الاعتناء بالفقراء ورفع مكانتهم الاجتماعية وتحسين
أوضاعهم الاقتصادية خاصة في المناسبات الإنسانية والدينية التي يجب على الجميع أن يفرحوا فيها معا ولعل أبرز هذه
المناسبات الأعياد، وهنا لابد من أن نسلط الضوء على أبرز واجبات الدولة تجاه الفقراء خاصة خلال الأعياد وهي إيلاء
العناية الرسمية والحكومية بالفقراء والأيتام بتخصيص مخصصات مالية لهم تسد احتياجاتهم وتشعرهم بأنهم جزء من
المجتمع، حتى الاقتصار على المعونات الفردية التي تقوم بها الجمعيات الخيرية دون وجود دعم حكومي حقيقي لن

يفي الفقراء حقهم بل يفرز التفرقة بين فقير وفقير بذرائع واهية لا قيمة لها فالفقر لا يميز بين شخص وآخر وآثاره
السلبية تعم الجميع وقد تطال غير الفقراء أيضاً.
إن فكرنا يوما بأن نشعر قليلاً بإحساس الفقير يوم العيد هو عندما نفقد حبيب أو قريب لا محالة سـنبكي ونبكي ونبكي
وسوف نتمنى ليته يعود ذلك الحبيب أو القريب، فهؤلاء الفقراء كل سنة يفقدون فرحة العيد وكل عام وهم يبكون
ويبكون ويبكون وحالهم يقول: بأي حال عدت يا عيد ؟؟؟.

مشاركة الإتحادين الأوروبي والإفريقي ضرورية لمواجهة الهجرة

الطيب حمضي*

ظاهرة الهجرة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط ليست مغربية ولا إسبانية.  المغرب، إدراكا منه لعمق المشكلة وخطورتها المتفاقمة، اعتمد سياسة طليعية في المغرب وعلى الصعيد الدولي، وكان سباقا في القارة الأفريقية والبحر الأبيض المتوسط بشأن هذا الموضوع.

إن تعدد وخطورة الحوادث المتعلقة بالهجرة اليائسة وتنامي حجم الظاهرة، يتطلب من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وضع هذا الملف تحت بند الملف ذي الاهتمام المشترك ووضعه في صلب المناقشات خلال اجتماعهما القادم.  كما أن إعمال المرصد الإفريقي للهجرة، الذي هو مبادرة مغربية وأنشأه الاتحاد الإفريقي في الرباط، يعتبر استعجالا. ومن شأن تعيين مقرر خاص معني بالهجرة داخل الاتحاد الأفريقي أن يعطي إشارة قوية ويفتح طريقا جديا للإحاطة بالمضوع ومعالجته بالجدية اللازمة.

ينبغي توقع أن تتحول أزمة الهجرة هذه على نحو متزايد إلى أحداث درامية متكررة ما دامت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تشتد في أفريقيا ومادام بصيص الأمل في الحصول على “فرصة” لتحقيق “الخلاص” تحت سماء أخرى، داخل أوروبا على وجه الخصوص، يتلاشى يوما بعد يوم. ومن المفارقات أن هذا الوضع اليائس يوفر المزيد من الفرص الذهبية لشبكات المافيا لتهريب البشر والاتجار به ومن ثم التسبب في المزيد من الأحداث المؤلم.  وستحل الشبكات المنظمة والعنف والجريمة والاتجار بالبشر والإرهاب والتلاعب بالمهاجرين السريين لأسباب سياسوية محل الهجرة الفردية الباحثة عن تحقيق أحلام الفردية.

إن أزمة الهجرة لها أسبابها العميقة – والخطيرة جدا – في بلدان المغادرة: الفقر، وعدم الاستقرار، والحروب، والمشاكل السياسية والديمقراطية، وأعطاب التنمية. وترجع هذه الأزمة أيضا إلى عوامل بالبلدان المضيفة، التي تغلق الأبواب تماما بشكل متزايد، أو تختار المهارات العالية فقط، أو تفتح الأبواب لمهاجرين آخرين من غير المنحدرين من أفريقيا.

الحلول الممكنة متعددة الأطراف بالضرورة.  المغرب وإسبانيا ضحيتان، وشاهدان يوميا على عواقب عدم إدارة أزمة الهجرة هذه على نطاق عالمي، وخاصة في ضفتي البحر الأبيض المتوسط. المغرب وإسبانيا في طليعة من يعانون من هذه المآسي، ليس لأنهم يتحملون أي مسؤولية عن أسس المشاكل المسببة لها ولا لتبعاتها، ولكن فقط بسبب تكتونية الصفائح التي وضعتهما في مكانه الجغرافي هدا. لا يمكن أن تكون إدارة هذه الظاهرة من مسؤوليتهما وحدهما أو نتيجة لعملية تكتونية أخرى سياسية هذه المرة!  لا يمكن للاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي أن يضعا رأسيهما في الرمال وأن يتركا البلدين الحدوديين وحدهما يتحملان أزمة لا يتحملان لا مسؤوليتها ولا القدرة على معالجتها لوحدهما ولا الوسائل اللازمة لإدارتها بمفردهما على الرغم من كل ما يمكن ان يتوفر من نوايا حسنة وطيبة.  التفكير والنقاش وإيجاد الاستراتيجيات والحلول بشكل جمعي وجماعي أمر لا مفر منه.

لقد كانت تحركات البشر دائما مصدرا للإغناء والثروات والتنوع والتنمية.  إن إيجاد سبل لإعادة تعريف شروط هذا النشاط الانساني بما يتماشى مع السياقات المتطورة هو حاجة ملحة للتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان وكره الأجانب والجريمة، التي من المرجح أن تتطور وتتخذ أشكالا ونطاقات لا يمكن تصورها اليوم.

*باحث في نظم السياسة الصحية

النخبة العسكرية الجزائرية والعداء الاستراتيجي مع المغرب

*محمد بنطلحة الدكالي

تلعب النخب دورا كبيرا في حياة مجتمعاتها، فالقرارات التي تشارك في صنعها، والسلوك الذي تنتهجه في اصدار هذه القرارات وفي تنفيذها، يؤثر تأثيرا كبيرا في صناعة تاريخ المجتمعات وتحديد مسارها.

إنها كما حددها “Raymond Aron” تلك الأقليات الاستراتيجية التي توجد في مواقع استراتيجية من المجتمع، وتتحكم في السلطة ليس فقط داخل مجالها الخاص، ولكن أيضا في مجال القضايا العامة.

بناء على ذلك كان من الطبيعي أن تتوافر لكل مجتمع من المجتمعات، بغض النظر عن درجة نمائه وتطوره، نخبة تحظى بأهمية كبرى على مستوى قيادة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

إن هذا يدعونا إلى البحث في موضوع القرار العام، لأنه من أهم الإشكالات التي أصبحت تثير اهتمامات البحث في مجال علاقة السلطة السياسية وبنية النظام السياسي.

إن القرار العام قد أصبح بشكل متزايد مجالا للاكراهات والاستراتيجيات، لذلك فان النخبة عندما نربطها بمسألة القرار العام، تبقى أساسا علاقة صراعات واستراتيجيات، إنها تتجاوز بعدها القانوني وحتى المؤسساتي، لتصبح شأن أشخاص تعكس ميولاتهم وتصوراتهم حول القرارات وتخدم رهاناتهم حول السياسات العامة، وهذا ما يتجسد فعليا على أرض الواقع في النخبة العسكرية الجزائرية صانعة القرار الجزائري والتي تدير كل الملفات الأمنية والاقليمية والدولية، بل وتفرض وجهة نظرها على توجهات السياسة الخارجية الجزائرية وعلى رأسها الحفاظ على العداء الاستراتيجي مع المغرب، في سياق اقتصادي ريعي يعتمد على الفساد والتهريب.

إن الأشقاء الجزائريين يدركون تماما أن المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للبلاد، إنها دولة داخل دولة، ويطلقون على حكم الجنرالات والدولة العميقة”le pouvoir” أو “the power”وهي تجمع مؤثر من الأوساط الداخلية للنظام الحاكم، اذ اشتهرت الجزائر بأنها “الديمقراطية الخاضعة للسيطرة” أو البلد الذي يحق فيه للقوات المسلحة و”النخبة المختارة” اتخاذ القرارات الرئيسية، بما في ذلك اختيار الرئيس نفسه [Daoud, Kamel.(2015,may29).the Algerian exception.The newyork Times.(accessed on 7 may,2019) Retrieved from].

لقد أضحى الجنرالات يتمتعون بإمكانية الوصول إلى مراكز المال والأعمال، ولتوطيد أركان حكمهم أتقن الجنرالات اللعب على أوتار الوطنية والقومية والحفاظ على مكتسبات القوة الضاربة ومحاربة الارهاب ودعم حركات التحرر من طرف الجزائر قبلة الشهداء والثوريين والتصدي لمؤامرات العدو الخارجي والحفاظ على العداء الاستراتيجي مع المغرب.

نعم إن عداء المغرب الدولة الأمة ذات التاريخ الحضاري العريق، أصبح عقيدة وايديولوجية ثابثة، يحاول نظام الجنرالات ترسيخها في الأجيال المقبلة عبر حشرها ضمن المقررات التعليمية، ولعل آخر هرطقات هذا النظام العسكري الجزائري، هو الإدلاء عبر مقال بجريدة “Algerie patriotique” وهي الجريدة المعروفة بقربها من الجنرالات، هو أن كل المغاربة المتواجدين حاليا في الجزائر، هم بمثابة جواسيس للمخزن والموساد الاسرائيلي، وهم بمثابة خطر على الأمن القومي، محرضة بضرورة طرد المغاربة بل وتشجيع الأشقاء الجزائريين الانخراط في هذه الحرب المقدسة.

إن هذا التحريض الذي يدعو إلى العنف والكراهية والذي يأتي ضدا على كل المواثيق الدولية المتعلقة بحماية المهاجرين وضد مبادئ القانون الدولي الانساني، يذكرنا بما قام به “بومدين” سنة 1975حينما قام بطرد أزيد من 45 ألف أسرة مغربية من الجزائر في إطار ما أسماه بـ “المسيرة السوداء”.

الآن وبعد استعراضنا لما سبق، نؤكد لجنرالات الجزائر، أن المغرب لن ينجر لحماقاتهم، ولن نقوم بأي اجراء سلبي تجاه أشقائنا الجزائريين المتواجدين بين ضهرانيينا، والذين تربطنا وإياهم رابطة العرق واللغة والدين والدم والتاريخ المشترك، وأن لنا كامل الأمل والثقة في الحراك الجزائري المبارك، والذي بفضله ستحرر إرادة الشعب الجزائري المغلوب على أمره وفك الارتباط من حكم النزوات الفردية.. هذا الحراك الذي يحاول أن يرسم أهدافه مستقبلا من أجل بلورة رأي عام ينتصر للديمقراطية وللفكر المغاربي، وفي إنتاج خطاب يحيي الأمل في الانتقال من نمط مركزية القرار، إلى قرار تداولي.. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

إفريقيا الأطلسية والسيادة الجماعية

اعتبر الاجتماع الوزاري لدول إفريقيا الأطلسية الذي عقد في المغرب يوم 8 يونيو الجاري بحضور 21 دولة، حدثا هاما بالنظر للآفاق الاستراتيجية التي يفتحها للقارة، وللأثر العميق للإعلان الذي تبناه المشاركون في نهاية هذا اللقاء. هذا الإعلان المسمى “إعلان الرباط” يتضمن من وجهة نظرنا فلسفة ومنهجا ورؤية. فالفلسفة هي التي ألهمت المؤسسين الأوائل لمنظمة الوحدة الأفريقية، التي أصبحت الآن الاتحاد الإفريقي، والذين أرادوا جعل القارة الإفريقية فضاء مندمجا في خدمة الشعوب الإفريقية. المنهجية توخت الاعتماد  على الإمكانات القائمة في إفريقيا مع استغلال وتثمين الموارد المتاحة في المقام الأول بغية مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية للقارة. أخيرا، الرؤية التي وضعها الملك محمد السادس ورحب بها المشاركون، وهي رؤية تتمثل في إرجاع إفريقيا للأفارقة لضمان حياة يملؤها السلم والازدهار لشعوب هذه القارة وجعل الفضاء الإفريقي الأطلسي “إطارا من أجل تعاون إفريقي عملي وملائم”.

واستنادا إلى التحديات الرئيسية التي تواجه الفضاء الإفريقي الأطلسي، تعهد المشاركون في هذا المؤتمر الأول بمواصلة تبادل التعاون والتنسيق، داعين إلى حوار سياسي وأمني يتمحور حول قضايا مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود بجميع أشكالها، والقرصنة البحرية وتهريب المهاجرين، وعمليات الاختطاف في البحر. كما دعوا إلى تعميق النقاش بهدف الاستفادة من الفرص التي توفرها قطاعات الاقتصاد الأزرق، والربط البحري والطاقة، فضلا عن المشاورات المتواصلة قصد التصدي للتحديات البيئية.

ولتحقيق هذه الأهداف، قرر وزراء الدول الإفريقية الأطلسية خلق ثلاث مجموعات موضوعاتية، مكلفة بالحوار السياسي والأمن والاقتصاد الأزرق والربط البحري والطاقة والتنمية المستدامة والبيئة. وفي هذا الإطار، تم تعيين ثلاث دول لقيادة المجموعات الموضوعاتية الثلاث، وهي، على التوالي، نيجيريا والغابون والرأس الأخضر.

بالإضافة إلى ذلك، أعلن المشاركون في إعلانهم الختامي إجراءات مهمة؛ إذ تقرر على وجه الخصوص إعادة هيكلة هذا الإطار الجديد، وهو إطار دول إفريقيا الأطلسية، بحيث سيصبح عمليا موجها نحو الهدف بشكل أكبر. إذ تم الاتفاق على إعادة تفعيل الأمانة العامة الدائمة للمؤتمر، الكائن مقرها بالرباط. وستكون هذه الهيئة مسؤولة عن تنسيق العمل والتحضير للاجتماعات، كما ستكون بمثابة منصة للتبادل بشأن التحديات والفرص في الفضاء الأطلسي الإفريقي. علاوة على ذلك، تقرر إرساء المسلسل الإفريقي الأطلسي للرباط من أجل تعزيز التعاون بين الدول. وأخيرا، دعا الوزراء إلى تعزيز التعاون العابر للأطلسي مع الدول المطلة على المحيط الأطلسي، ولا سيما مع بلدان أمريكا اللاتينية.

ويتضح من هذا الإعلان أن المشاركين تحذوهم إرادة قوية للمضي قدما بأهداف محددة وأساليب عمل واضحة. من أجل بلوغ الهدف النهائي المتمثل في ضمان الأمن الجماعي للمنطقة، بكل ما تحمله كلمة أمن من معنى، وهو ما لا يمكن بلوغه بدون تحقيق الأمن الاقتصادي. فالأمران مرتبطان ارتباطا وثيقا. فمن خلال الاهتمام بالاقتصاد الأزرق، سيتعلق الأمر باستغلال الموارد الموجودة في المحيط الأطلسي، بدءا بمصايد الأسماك، وانتهاء بتثمين جميع موارد المحيط. وغني عن التوضيح أن تطور الاقتصاد الأزرق ستكون له آثار كبيرة قبليا وبعديا بالمنطقة. فقبليا، سيؤدي ذلك إلى إنشاء قواعد صناعة بحرية حقيقية حتى لا يتم الاعتماد على القوى البحرية الكبرى، لتطوير الخدمات اللوجستية البحرية وإنشاء موانئ كبيرة على غرار ميناء الداخلة الضخم الذي تسير أشغال إنجازه بشكل جيد. تتطلب هذه الأوراش المهمة توافر الخبرات الإفريقية وتكاثر مراكز البحث والتدريب المخصصة للمعرفة المتعلقة بعلم المحيطات وعلوم الهندسة. وبعديا، ستمتد التأثيرات عبر إنشاء سلسلة من أنشطة معالجة الموارد البحرية لتحقيق أقصى استفادة من هذه الثروة وتكثيف النسيج الإنتاجي في المنطقة. هناك الكثير من الأنشطة المنتجة للثروة وتوفير فرص الشغل لصالح السكان الأفارقة. ومن المرجح أن يساهم ذلك في مكافحة الفقر بشكل فعال والحد من ظاهرة الهجرة.

يتعين على المجموعة الموضوعاتية الخاصة بالطاقة والبيئة النظر في التحديات الإيكولوجية في علاقتها بالانتقال الطاقي الذي أصبح أمرا ضروريا لا محيد عنه. على هذا النحو، سيلعب مشروع خط أنابيب الغاز نيجيريا المغرب الذي يتمتع بدعم واسع من الدول المعنية دور القاطرة التي تجر قطار الاستقلال الطاقي. يعد الانفتاح على البلدان المطلة على المحيط الأطلسي، وخاصة دول أمريكا اللاتينية، خيارا استراتيجيا من منظور التحول الطاقي. في الواقع، تمتلك هذه البلدان احتياطات كبيرة من الثروة المعدنية التي تعتبر أساس طاقة الغد. ويمكنها أيضا أن تصبح في نهاية المطاف شريكا متميزا للبلدان الإفريقية، مما سيمكن هذه الأخيرة من تنويع تحالفاتها الاستراتيجية وبالتالي تعزيز سيادتها الجماعية. كما يجب ألا يغيب عنا الدور الذي يمكن أن يلعبه الفوسفاط، بقيادة  المكتب الشريف للفوسفاط، في تزويد دول المنطقة بالأسمدة، وهو منتوج أساسي لزيادة الإنتاجية الزراعية وحل مشكلة العجز الغذائي. حيث البلدان المعنية تعاني بشكل خطير اليوم.

بطبيعة الحال، أصبحت مكافحة الإرهاب وإحلال الأمن أمرا ضروريا. يجب على الدول أن تضافر جهودها وتكثف تعاونها من أجل القضاء عليه. ويمكنهم تحقيق ذلك بسهولة أكبر من خلال عمل موازي ينصب على تنمية البلدان الإفريقية وتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان. من خلال التنمية، سنقلل من مجالات تكاثر الإرهابيين والأماكن غير الآمنة. كما أن الدول الإفريقية ليس لديها خيار آخر، إذا كانت تريد حقا مواجهة تحديات التنمية، إلا بالإنخراط في المسار الديمقراطي. اختيار قائم على التعبئة الشعبية وضمان مشاركة جميع القوى الحية والفاعلة.

ترجمه إلى العربية الأستاذ عبد العزيز بودرة

من “المسيد” إلى المدرسة الحديثة.. مسافة ضياع

*أحمد عصيد

واقعة فقيه “المسيد” بطل “الفلقة” السيئة الذكر، أثارت من جديد موضوع العنف الوحشي المسلط على الأطفال في تلك المدارس القرآنية التي ما زالت تعتمد أساليب عفا عليها الزمن، لكن اعتقال الفقيه ومحاكمته سُرعان ما كشفا عن الجزء المغمور من جبل الجليد، فقد تنازل أب الطفل عن حقه في متابعة الفقيه معتبرا إياه “راجل مزيان”، كما تسابق السكان في الثناء عليه معتبرين أسلوبه في التعنيف أمرا عاديا، مما يُظهر مقدار استمرار بديهيات الماضي في عقول الناس رغم كل التحولات التي طالت حتى مفهوم الطفولة ذاته، حيث يبدو أن هناك من ما زال يعتقد بأن الضرب والجرح والتعنيف المرَضي هي أمور ملازمة لتحفيظ القرآن، وأن عصا الفقيه اشتُقت من الجنة، وأن الأعضاء التي ينالها لهيب السوط أو العصا لن تحترق في جهنم، إذ يكفيها ما عانت في جحيم الدنيا داخل “المسيد”. هذا دون أن يطرح أحد السؤال عن الأسباب التي تجعل الأطفال الصغار يجدون صعوبة كبيرة في حفظ نصوص في لغة تفوق مستواهم وبمضامين لا يفهمونها.

ما يثير الخوف هو هذا المقدار من التجاهل للعنف واعتباره أمرا طبيعيا، مما قد يشير إلى اتجاه مجتمعنا نحو المصير الخطير الذي وقعت فيه مجتمعات أخرى في الشرق الأوسط، وهو التطبيع مع العنف بكل أشكاله الوحشية، مع اللجوء إلى  نفس آلية التبرير والشرعنة المقدسة المعتادة: استعمال الدين. ذلك أن أي شيء قبيح ولا يقبله عقل سليم في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يمكن تسويغه لدى العامة بالتوظيف السلبي للدين أو لكلام الدعاة والغلاة من الوعاظ والخطباء. فسواء تعلق الأمر بالإرهاب أو بكراهية غير المسلمين أو باحتقار المرأة وحرمانها من حقوقها الأساسية أو سوء معاملة الأطفال أو إنكار الحقائق العلمية أو معاكسة حقوق الإنسان أو تبرير الاستبداد أو أو كراهية الاختلاف، فالدين هو الوسيلة التي يتم اللجوء إليها لتوظيفها وفق قراءات يطبعها الغلو والتطرف لإضفاء شرعية على خطاب غير مقبول لا أخلاقيا ولا إنسانيا ولا واقعيا.

لقد سبق للعميد محمد شفيق في حوار هام له مع مجلة “إكونوميا” Economia، والذي نُشر مرة ثانية في كتاب “مهنة المثقف” Le métier d’intellectuel الذي أصدره كل من ادريس كسيكس وفاضمة نايت موس، سبق له أن حكى ما كان حدث له مع الملك الراحل الحسن الثاني، أيام كان كاتب دولة في التربية الوطنية، إذ طالبه الحسن الثاني بتقرير حول “المسيد”، فقام الأستاذ شفيق بصياغة تقرير علمي موضوعي حول هذه المؤسسة التقليدية، معتبرا في خلاصاته النقدية بأن “المسيد”  يؤدي إلى تحطيم الشخصية وإضعافها عبر اعتماد آليتين خطيرتين هما العنف، والحفظ والاستظهار بدون فهم. وبعد مدة وجيزة من اطلاع الملك الراحل على ذلك التقرير السلبي، أصدر تعليماته بـ “تعميم المسيد” وجعله إجباريا لجميع الأطفال. كما ألقى خطابا في ذلك يتداوله بعض المواطنين اليوم على “الواتساب” دون فهم سياقه ومراميه السياسية.

وقبل ذلك عندما تأسّس التعليم النظامي العصري بالمغرب في عهد الحماية، سرعان ما امتدت إليه سلبيات ثقافة “المسيد” بعد الاستقلال بسبب الطابع المزدوج للدولة نفسها، وباعتماد الكثير من معلمي الصبيان بـ”المسيد” مدرسين بالمدرسة نظرا للنقص الكبير في الموارد البشرية الكُفأة، ليجد التلاميذ أنفسهم في حصّة حفظ القرآن مُلزمين بتحمل العنف الجسدي مرة أخرى حتى وهُم في فضاء مغاير تماما، هو فضاء المدرسة بمفهومها الحديث الذي لا يقوم على العنف والاستظهار بدون فهم، بل على تنمية ملكات القراءة والفهم والتحليل والتركيب والنقد، وهكذا امتدّت حالة الضياع وهدر الزمن لتشمل فضاءات كان ينبغي أن يؤطرها منطق مغاير، وتفاقم الوضع بإقحام إيديولوجيا الإسلام السياسي في المدرسة العصرية بقرار من الدولة لحسابات ظرفية في نهاية السبعينيات، وبجعل المادة الدينية المتشدّدة عرضانية تؤطر كل المواد الدراسية الأخرى بما فيها العلمية، مما أجهض مشروع المدرسة الوطنية، وجعل الضياع يتحول إلى متاهة لا مخرج منها.

إن الانتقال من التخلف إلى الديمقراطية يقتضي من ضمن ما يقتضيه تغيير أنماط التفكير والسلوك التي ترتبط بسياقات قديمة، ومن أهم آليات هذا الانتقال اعتبار الإنسان كرامة قبل كل شيء، وجعله في مركز الاهتمام بوصفه اللبنة الأولى لتأسيس مجتمع المواطنة ودولة القانون، ولأجل هذا لابد من محاربة جميع أشكال العنف كيفما كان نوعها، وتعويضها بالمقاربات النفسية والسوسيوـ تربوية الفعالة والضرورية.

اليسار الفرنسي في مواجهة التطرفات

*محمد العوني

تحويل أمل الفكر والبرنامج إلى فعل انتخابي وسياسي ذلك ما حققه اليسار في فرنسا، وينبغي العودة إلى سنوات طويلة للإمساك بالفكرة المركزية لتحول وتحويل اليسار هذا، بعد أن بلورها منذ عقدين جان لوك ميلونشون ورفاقه.

قدم اليسار مقترحات عملية مثل تخفيض سن التقاعد، التخطيط الإيكولوجي، “توقيف “الأسعار، الزيادة في الحد الأدنى للأجور، تقديم أجر للطلبة، مساواة أجور النساء بالرجال …وغيرها. وعن طريق هذه المقترحات يثير اليسار الفرنسي قضايا كبرى مرتبطة بأزمات التضخم والقدرة الشرائية وغياب العدالة الضريبية …، وهي أزمات تشكل جزء مما صنعته النيوليبرالية التي تقول إن إجراءات اليسار ستقود إلى الندرة والجمود الاقتصادي…

مباشرة بعد الدور الثاني للانتخابات الرئاسية تأكد لليساريين إيكولوجيين، شيوعيين و اشتراكيين لاسيما مع النتائج الكارثية التي حصدوها، ما سبق وأكده واستخلصه ميلونشون ورفاقه خلال وبعد الانتخابات الرئاسية لسنة 2017 بأن التقدم في الانتخابات رهين بالوضوح السياسي والتكتل اليساري .وهو ما جسدته تجربة الاتحاد الشعبي ومرشحه ميلونشون، فقاومت المكونات اليسارية الثلاث اتجاهات التقوقع داخلها والاستمرار في تشتت اليسار واستجابت لليد الممدودة من قبل حركة فرنسا الأبية أو غير الخاضعين Les insoumis.

خاض اليسار معارك الانتخابات التشريعية والتعبئة لها جماهيريا، ولئن استفاد من كل ذلك رغم ضيق الزمن الذي لم يتجاوز شهرا بعد تشكيل “الاتحاد الفرنسي الجديد الايكولوجي والاجتماعي “بإثبات عودة اليسار للساحة السياسية وأكثر من ذلك إثبات انه البديل الممكن وأنه قطب المعارضة الأساسية، فقد وجد اليسار الفرنسي نفسه يواجه عدة تطرفات تلتقي ـ مهما تصارعت ـ حول ضرورة نفي البديل اليساري ونسف أسسه.

التطرف النيوليبرالي

لا تريد النيوليبرالية أن ينتبه الناس إلى أنها تدفعهم إلى أداء مقابل الأزمات التي خلقتها وأججتها، حتى عندما تقدم بعض “الدعم” للتغطية عن الزيادات التي تهم الكلفة الحقيقية لأسعار المواد وتوزيعها، بينما يطرح اليسار الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات التي تؤدي إلى النقص في جودة المواد الغذائية والاستهلاكية وقلة النظافة والمس بالسلامة الصحية وكلفها التي تفرض احترام المعايير البيولوجية والبيئية المستخلصة من التحديات الايكولوجية، وكذا اختلالات الخدمات العمومية …وهي أوضاع ناجمة في أغلبها عن تزايد الجشع والاحتكار والإثراء غير المشروع لدى ذوي رؤوس الأموال وتتجلى في امتلاك الفيلات والقصور واليخوت وغيرها من مظاهر التبذير والبذخ والترف . بينما يتحقق التعاضد الحقيقي والتضامن الفعلي حسب اليسار عبر تعليم وصحة وخدمات عمومية ذات جودة واستمرارية ومواكبة للتحولات، وفرض الضرائب على كبار الرأسماليين والحد من تهريب الأموال …

أفرزت الرأسمالية الفرنسية تطرفها النيوليبرالي على مراحل وخلال سنوات طويلة، وإن تشابهت في بعض الجوانب مع ما أفرزته نظيرتيها الأمريكية عبر ترامب والبرازيلية عبر بولسونارو… و جسدتها تجربتا ساركوزي ثم هولاند الذي كان بداية التغطية على التطرف النيوليبرالي اليميني برداء “اليسار الاشتراكي” ، ليخرج من جراب نفس الساحر الرأسمالي تغليف جديد لذاك التطرف بالوسطية التي تجمع اليسار واليمين في نفس الجراب.
ألم يترعرع ماكرون في حضن حكومة هولاند ليتربع على تدبير الاقتصاد وتعبد له الطريق المستقيمة والخالية من أي عائق نحو الرئاسة … ويكسر الحزبين الديغولي والاشتراكي ويخلط الأنواع وينمي اليمين العنصري ويعلن موت اليسار واليمين في نفس الوقت.

وإذ ليست البلدان والدول مثل الإنسان الذي يمشي على رجلين يمنى ويسرى، بل تتحرك البلدان في عدة جبهات بالكثير من الأذرع والأرجل وبعدة آليات وديناميات وبقيم ومبادئ، في نفس الوقت، وقودها أو أهم محركين لها العيش الكريم والتغيير اللذان يقودان حسب الفلسفة والسياسة الإنسانيتين إلى السعادة أو على الأقل للحد من التعاسة. ومن ثمة تصبح المحافظة اليمينية عائقا كبيرا لاسيما وهي تتسلح بإيديولوجيات وآليات تبريرية وتضليلية ضخمة…
والخريطة الناجمة عن انتخابات 19 يونيو 2022 لن تضع حدا نهائيا لألاعيب وحيل التحالف الرئاسي وتطرف النيوليبرالية التي يجسدها، وستستمر محاولات خلط أوراق المواقع والألوان السياسية، وتحميل اليسار مسؤولية فشل الدولة وصعود اليمين المتطرف لأن التضليل الإيديولوجي والإعلامي من الآليات الثابتة للتطرف النيوليبرالي.

التطرف العنصري اليميني

لئن أثبت اليسار باتحاده وبرنامجه وحذقه الانتخابي أنه حي وأن مشروعه قادم، فإن اليمين المتطرف استفاد بقليل من الجهد بدوره من الحراك الانتخابي الذي خاضه اليسار فبلغ لأول مرة لفريق برلماني من 90 عضوا، استفاد مثلا في كثير من الأحيان من المصوتين على الاتحاد اليساري في الدور الأول دون تمكن ممثل ـ ة الاتحاد من المرور للدور الثاني، وكذا من الفعالية الإعلامية للمتدخلين اليساريين ونسخ ونقل العديد من مطالبهم وحججهم.

فالدراسات تؤكد أن المصوتين على هذا اليمين لا يحركهم فقط عامل الأمن أو بالأحرى اللأمن الذي يربط بميكانيكية تبسيطية ومغرضة بالمهاجرين و أحياء الضواحي، إنما تحركهم كذلك عوامل السخط على السلطة والغضب من أوضاع التفاوتات والفقر والاستغلال والاحتكار…

وليس صدفة خالصة أن تجرى في هذه الفترة بعض أطوار محاكمة عبد السلام صلاح الوحيد الذي لم يفجر نفسه خلال عمليات باريس الإرهابية سنة 2015.
ومع ذلك اندحر إيريك زمور…

التطرف الديني

التطرف ظاهرة مشتركة بين مختلف الأديان، في فرنسا وفي غيرها.

التطرف المسيحي الذي يغذي العنصرية والكراهية كما يتغذى من اتجاه أقصى وأقسى اليمين العنصري الذي يتقوى في الغرب والشرق،

التطرف اليهودي الذي يمول ويسلح الصهيونية، ويخلط بين العداء للسامية ومقاومة الصهيونية ويغذي ويؤطر التطرف العنصري والكراهية خاصة ضد المسلمين.
والتطرفان معا يحفزان التطرف الإسلامي العنيف ويقدمان له أحسن وقود، كما يستمر التطرف بين المسلمين في إبعادهم عن جوهر الإسلام وتشبث الكثير منهم ببعض القشور والطقوس التي تعطي مبررات جاهزة للعنصريين مثل شكل اللباس …

وغالبا ما يتحول التطرف الديني إلى إرهاب بمختلف أشكاله، ولعدة أسباب يبرز الإرهاب الإسلامي، ليس فقط بسبب التركيز عليه دون غيره من اشكال الارهاب ومنه إرهاب الدولة لدى البلدان الغربية والإرهاب الصهيوني وكل هاته الإرهابات تستعمل أقصى حدود العنف والسلاح والاعتداء على الأبرياء والمدنيين؛ وهذا التوضيح ليس من أجل التبرير للتطرف الإسلامي، بل للقول بأن ضرره يعم الجميع وأول ضحاياه هم المسلمون ليس فقط لأنه يخلط بين المقاومة والتطرف والإرهاب وإنما أيضا لأنه يخلط بين ساحات المعارك وأسلحتها…

التطرف اللامواطن واللاسياسي

تطرف بعض الناخبين من مختلف الطبقات والفئات الذين يدمنون على المقاطعة، بحجج مختلفة قد يكون بعضها صحيحا لكن استعمالها لا يتم بشكل صحيح، ومن ضمنها التعميم بأن كافة السياسيين لا يستحقون الثقة…

لامحالة أن النظام السياسي الفرنسي يدفع بعض الفئات الى المقاطعة الانتخابية دفعا، ليتمكن من تحصين وتضخيم أصوات البرجوازية، ولإبعاد الناس عن جوهر المعركة السياسية في فرنسا المتمثلة اليوم في إنقاذ الديمقراطية وترسيخ المواطنة المهددتين.

مما يجعل المقاطعة الواعية وغير الواعية لا سياسية ولا مواطنة.

بهذه المعركة والمعارك السابقة يتقدم اليسار الفرنسي في مواجهة هذه التطرفات بشكل حثيث إلا أن الطريق أمامه شاق وعسير ومليء بالمنعطفات، وسيتطلب مزيدا من تجميع عناصر القوة والعمل بنفس طويل …

فهل يستفيد اليسار المغربي من دروس التجربة أو تجارب اليسار الفرنسي؟ وكم من الوقت سيحتاج من أجل أن يستفيد؟