Advertisement

الميراوي يعد بحل ملف طلبة أوكرانيا نهاية الشهر المقبل

ومع-متابعة

قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عبد اللطيف ميراوي، اليوم الثلاثاء، إن ملف الطلبة المغاربة العائدين من أوكرانيا سيتم حله بشكل نهائي الشهر المقبل.

وأضاف ميراوي، في معرض جوابه على سؤال شفوي بمجلس المستشارين حول “ملف الطلبة المغاربة العائدين من أوكرانيا بسبب الحرب” ، أنه سيتم تنظيم مختلف مباريات إدماج هؤلاء الطلبة بمنظومة التعليم بالمغرب مباشرة بعد عيد الأضحى، مؤكدا حرص الوزارة على التعامل مع ملف الطلبة المغاربة العائدين من أوكرانيا “بكل إيجابية وفعالية، وعدم اذخار أي جهد في سبيل إيجاد حلول واقعية وملائمة لتجاوز هذه الوضعية”.

وأشار في نص الجواب، إلى أنه وضمن استشراف الحلول الممكنة لمعالجة الوضعية القائمة، قامت الوزارة بعقد لقاءات مكثفة مع شبكة عمداء كليات الطب والصيدلة وكليات طب الأسنان، بكل من القطاع العمومي والخاص، خلصت إلى اعتماد مجموعة من المبادئ، تتمثل في الأخذ بعين الاعتبار عدد المقاعد الممكنة إضافتها من طرف كل مؤسسة، خصوصا في مجالات الطب والصيدلة وطب الأسنان والبيطرة والهندسة المعمارية، والاعتماد على كل مؤسسات التعليم العالي العمومية والخاصة المعترف بها، وخضوع الطلبة المسجلين بالسنة الأولى لكل سلك أو دبلوم، لنفس الإجراءات والشروط التي تسري على نظائرهم بالمغرب بخصوص الترشيح والتسجيل بمؤسسات التعليم العالي على الصعيد الوطني، وإجراء مباراة مستوى (n – 1) بالنسبة لجميع الطلبة المسجلين بمستوى (n) بنفس التكوين.

وبالنسبة لتوزيع الطلبة، أفاد الوزير أنه سيتم اعتماد مبدأ الاستحقاق حسب النقطة المحصل عليها في المباراة الوطنية وعدد المقاعد المتاحة بكل مؤسسة، مبرزا أنه سيتم  اتخاذ إجراءات مصاحبة لمواكبة الطلبة الناجحين بكل مؤسسة، ودراسة كل حالة على حدة بالنسبة للتخصصات في ميادين الطب والصيدلة وطب الأسنان والبيطرة.

كما أشار إلى أنه تم إجراء اتصالات مع بعض الدول بأوروبا الشرقية التي تتوفر على نظام تعليمي مماثل لنظيره بأوكرانيا (رومانيا هنغاريا وبلغاريا)، تم خلالها تدارس إمكانيات استقبال الطلبة المغاربة في مؤسسات التعليم العالي بهذه البلدان، مشيرا إلى أن الوزارة توصلت باقتراحات من دولتي رومانيا وهنغاريا سيتم الإعلان عنها قريبا.

وفي رد على سؤال آخر حول “تعميم المنح الجامعية”، أكد السيد ميراوي أن الوزارة تعمل على تجويد طرق تدبير وتمويل منح التعليم العالي من خلال التنسيق مع المكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية، على مراجعة معايير استهداف الطلبة المستحقين في انتظار السجل الاجتماعي الموحد، ودراسة إمكانية إحداث صندوق أو حساب خاص بالمنح يمكن من التدبير المرن للاعتمادات المالية المتوفرة واستقبال المساهمات المقدمة من طرف كل الجهات المانحة، وإشراك الجهات في المساهمة في تمويل منح التعليم العالي، فضلا عن إعداد مشاريع قرارات مع القطاعات الوزارية لتمويل المنح الدراسية لطلبة مؤسسات التعليم العالي التابعة لها.

وأشار إلى أن العدد الإجمالي للطلبة بالتعليم العالي الجامعي العمومي وصل إلى مليون و61 ألفا و256 خلال سنة 2021-2022، أي بزيادة 7.2 في المائة مقارنة مع السنة الفارطة، وهو ما أثر على الميزانية المخصصة للمنح، مبرزا أن العدد الإجمالي للممنوحين هذه السنة بلغ 408 ألف ممنوح،  بزيادة 1.5 في المائة مقارنة مع الموسم الجامعي 2020-2021.

 

النخبة العسكرية الجزائرية والعداء الاستراتيجي مع المغرب

*محمد بنطلحة الدكالي

تلعب النخب دورا كبيرا في حياة مجتمعاتها، فالقرارات التي تشارك في صنعها، والسلوك الذي تنتهجه في اصدار هذه القرارات وفي تنفيذها، يؤثر تأثيرا كبيرا في صناعة تاريخ المجتمعات وتحديد مسارها.

إنها كما حددها “Raymond Aron” تلك الأقليات الاستراتيجية التي توجد في مواقع استراتيجية من المجتمع، وتتحكم في السلطة ليس فقط داخل مجالها الخاص، ولكن أيضا في مجال القضايا العامة.

بناء على ذلك كان من الطبيعي أن تتوافر لكل مجتمع من المجتمعات، بغض النظر عن درجة نمائه وتطوره، نخبة تحظى بأهمية كبرى على مستوى قيادة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

إن هذا يدعونا إلى البحث في موضوع القرار العام، لأنه من أهم الإشكالات التي أصبحت تثير اهتمامات البحث في مجال علاقة السلطة السياسية وبنية النظام السياسي.

إن القرار العام قد أصبح بشكل متزايد مجالا للاكراهات والاستراتيجيات، لذلك فان النخبة عندما نربطها بمسألة القرار العام، تبقى أساسا علاقة صراعات واستراتيجيات، إنها تتجاوز بعدها القانوني وحتى المؤسساتي، لتصبح شأن أشخاص تعكس ميولاتهم وتصوراتهم حول القرارات وتخدم رهاناتهم حول السياسات العامة، وهذا ما يتجسد فعليا على أرض الواقع في النخبة العسكرية الجزائرية صانعة القرار الجزائري والتي تدير كل الملفات الأمنية والاقليمية والدولية، بل وتفرض وجهة نظرها على توجهات السياسة الخارجية الجزائرية وعلى رأسها الحفاظ على العداء الاستراتيجي مع المغرب، في سياق اقتصادي ريعي يعتمد على الفساد والتهريب.

إن الأشقاء الجزائريين يدركون تماما أن المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للبلاد، إنها دولة داخل دولة، ويطلقون على حكم الجنرالات والدولة العميقة”le pouvoir” أو “the power”وهي تجمع مؤثر من الأوساط الداخلية للنظام الحاكم، اذ اشتهرت الجزائر بأنها “الديمقراطية الخاضعة للسيطرة” أو البلد الذي يحق فيه للقوات المسلحة و”النخبة المختارة” اتخاذ القرارات الرئيسية، بما في ذلك اختيار الرئيس نفسه [Daoud, Kamel.(2015,may29).the Algerian exception.The newyork Times.(accessed on 7 may,2019) Retrieved from].

لقد أضحى الجنرالات يتمتعون بإمكانية الوصول إلى مراكز المال والأعمال، ولتوطيد أركان حكمهم أتقن الجنرالات اللعب على أوتار الوطنية والقومية والحفاظ على مكتسبات القوة الضاربة ومحاربة الارهاب ودعم حركات التحرر من طرف الجزائر قبلة الشهداء والثوريين والتصدي لمؤامرات العدو الخارجي والحفاظ على العداء الاستراتيجي مع المغرب.

نعم إن عداء المغرب الدولة الأمة ذات التاريخ الحضاري العريق، أصبح عقيدة وايديولوجية ثابثة، يحاول نظام الجنرالات ترسيخها في الأجيال المقبلة عبر حشرها ضمن المقررات التعليمية، ولعل آخر هرطقات هذا النظام العسكري الجزائري، هو الإدلاء عبر مقال بجريدة “Algerie patriotique” وهي الجريدة المعروفة بقربها من الجنرالات، هو أن كل المغاربة المتواجدين حاليا في الجزائر، هم بمثابة جواسيس للمخزن والموساد الاسرائيلي، وهم بمثابة خطر على الأمن القومي، محرضة بضرورة طرد المغاربة بل وتشجيع الأشقاء الجزائريين الانخراط في هذه الحرب المقدسة.

إن هذا التحريض الذي يدعو إلى العنف والكراهية والذي يأتي ضدا على كل المواثيق الدولية المتعلقة بحماية المهاجرين وضد مبادئ القانون الدولي الانساني، يذكرنا بما قام به “بومدين” سنة 1975حينما قام بطرد أزيد من 45 ألف أسرة مغربية من الجزائر في إطار ما أسماه بـ “المسيرة السوداء”.

الآن وبعد استعراضنا لما سبق، نؤكد لجنرالات الجزائر، أن المغرب لن ينجر لحماقاتهم، ولن نقوم بأي اجراء سلبي تجاه أشقائنا الجزائريين المتواجدين بين ضهرانيينا، والذين تربطنا وإياهم رابطة العرق واللغة والدين والدم والتاريخ المشترك، وأن لنا كامل الأمل والثقة في الحراك الجزائري المبارك، والذي بفضله ستحرر إرادة الشعب الجزائري المغلوب على أمره وفك الارتباط من حكم النزوات الفردية.. هذا الحراك الذي يحاول أن يرسم أهدافه مستقبلا من أجل بلورة رأي عام ينتصر للديمقراطية وللفكر المغاربي، وفي إنتاج خطاب يحيي الأمل في الانتقال من نمط مركزية القرار، إلى قرار تداولي.. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

إفريقيا الأطلسية والسيادة الجماعية

اعتبر الاجتماع الوزاري لدول إفريقيا الأطلسية الذي عقد في المغرب يوم 8 يونيو الجاري بحضور 21 دولة، حدثا هاما بالنظر للآفاق الاستراتيجية التي يفتحها للقارة، وللأثر العميق للإعلان الذي تبناه المشاركون في نهاية هذا اللقاء. هذا الإعلان المسمى “إعلان الرباط” يتضمن من وجهة نظرنا فلسفة ومنهجا ورؤية. فالفلسفة هي التي ألهمت المؤسسين الأوائل لمنظمة الوحدة الأفريقية، التي أصبحت الآن الاتحاد الإفريقي، والذين أرادوا جعل القارة الإفريقية فضاء مندمجا في خدمة الشعوب الإفريقية. المنهجية توخت الاعتماد  على الإمكانات القائمة في إفريقيا مع استغلال وتثمين الموارد المتاحة في المقام الأول بغية مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية للقارة. أخيرا، الرؤية التي وضعها الملك محمد السادس ورحب بها المشاركون، وهي رؤية تتمثل في إرجاع إفريقيا للأفارقة لضمان حياة يملؤها السلم والازدهار لشعوب هذه القارة وجعل الفضاء الإفريقي الأطلسي “إطارا من أجل تعاون إفريقي عملي وملائم”.

واستنادا إلى التحديات الرئيسية التي تواجه الفضاء الإفريقي الأطلسي، تعهد المشاركون في هذا المؤتمر الأول بمواصلة تبادل التعاون والتنسيق، داعين إلى حوار سياسي وأمني يتمحور حول قضايا مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود بجميع أشكالها، والقرصنة البحرية وتهريب المهاجرين، وعمليات الاختطاف في البحر. كما دعوا إلى تعميق النقاش بهدف الاستفادة من الفرص التي توفرها قطاعات الاقتصاد الأزرق، والربط البحري والطاقة، فضلا عن المشاورات المتواصلة قصد التصدي للتحديات البيئية.

ولتحقيق هذه الأهداف، قرر وزراء الدول الإفريقية الأطلسية خلق ثلاث مجموعات موضوعاتية، مكلفة بالحوار السياسي والأمن والاقتصاد الأزرق والربط البحري والطاقة والتنمية المستدامة والبيئة. وفي هذا الإطار، تم تعيين ثلاث دول لقيادة المجموعات الموضوعاتية الثلاث، وهي، على التوالي، نيجيريا والغابون والرأس الأخضر.

بالإضافة إلى ذلك، أعلن المشاركون في إعلانهم الختامي إجراءات مهمة؛ إذ تقرر على وجه الخصوص إعادة هيكلة هذا الإطار الجديد، وهو إطار دول إفريقيا الأطلسية، بحيث سيصبح عمليا موجها نحو الهدف بشكل أكبر. إذ تم الاتفاق على إعادة تفعيل الأمانة العامة الدائمة للمؤتمر، الكائن مقرها بالرباط. وستكون هذه الهيئة مسؤولة عن تنسيق العمل والتحضير للاجتماعات، كما ستكون بمثابة منصة للتبادل بشأن التحديات والفرص في الفضاء الأطلسي الإفريقي. علاوة على ذلك، تقرر إرساء المسلسل الإفريقي الأطلسي للرباط من أجل تعزيز التعاون بين الدول. وأخيرا، دعا الوزراء إلى تعزيز التعاون العابر للأطلسي مع الدول المطلة على المحيط الأطلسي، ولا سيما مع بلدان أمريكا اللاتينية.

ويتضح من هذا الإعلان أن المشاركين تحذوهم إرادة قوية للمضي قدما بأهداف محددة وأساليب عمل واضحة. من أجل بلوغ الهدف النهائي المتمثل في ضمان الأمن الجماعي للمنطقة، بكل ما تحمله كلمة أمن من معنى، وهو ما لا يمكن بلوغه بدون تحقيق الأمن الاقتصادي. فالأمران مرتبطان ارتباطا وثيقا. فمن خلال الاهتمام بالاقتصاد الأزرق، سيتعلق الأمر باستغلال الموارد الموجودة في المحيط الأطلسي، بدءا بمصايد الأسماك، وانتهاء بتثمين جميع موارد المحيط. وغني عن التوضيح أن تطور الاقتصاد الأزرق ستكون له آثار كبيرة قبليا وبعديا بالمنطقة. فقبليا، سيؤدي ذلك إلى إنشاء قواعد صناعة بحرية حقيقية حتى لا يتم الاعتماد على القوى البحرية الكبرى، لتطوير الخدمات اللوجستية البحرية وإنشاء موانئ كبيرة على غرار ميناء الداخلة الضخم الذي تسير أشغال إنجازه بشكل جيد. تتطلب هذه الأوراش المهمة توافر الخبرات الإفريقية وتكاثر مراكز البحث والتدريب المخصصة للمعرفة المتعلقة بعلم المحيطات وعلوم الهندسة. وبعديا، ستمتد التأثيرات عبر إنشاء سلسلة من أنشطة معالجة الموارد البحرية لتحقيق أقصى استفادة من هذه الثروة وتكثيف النسيج الإنتاجي في المنطقة. هناك الكثير من الأنشطة المنتجة للثروة وتوفير فرص الشغل لصالح السكان الأفارقة. ومن المرجح أن يساهم ذلك في مكافحة الفقر بشكل فعال والحد من ظاهرة الهجرة.

يتعين على المجموعة الموضوعاتية الخاصة بالطاقة والبيئة النظر في التحديات الإيكولوجية في علاقتها بالانتقال الطاقي الذي أصبح أمرا ضروريا لا محيد عنه. على هذا النحو، سيلعب مشروع خط أنابيب الغاز نيجيريا المغرب الذي يتمتع بدعم واسع من الدول المعنية دور القاطرة التي تجر قطار الاستقلال الطاقي. يعد الانفتاح على البلدان المطلة على المحيط الأطلسي، وخاصة دول أمريكا اللاتينية، خيارا استراتيجيا من منظور التحول الطاقي. في الواقع، تمتلك هذه البلدان احتياطات كبيرة من الثروة المعدنية التي تعتبر أساس طاقة الغد. ويمكنها أيضا أن تصبح في نهاية المطاف شريكا متميزا للبلدان الإفريقية، مما سيمكن هذه الأخيرة من تنويع تحالفاتها الاستراتيجية وبالتالي تعزيز سيادتها الجماعية. كما يجب ألا يغيب عنا الدور الذي يمكن أن يلعبه الفوسفاط، بقيادة  المكتب الشريف للفوسفاط، في تزويد دول المنطقة بالأسمدة، وهو منتوج أساسي لزيادة الإنتاجية الزراعية وحل مشكلة العجز الغذائي. حيث البلدان المعنية تعاني بشكل خطير اليوم.

بطبيعة الحال، أصبحت مكافحة الإرهاب وإحلال الأمن أمرا ضروريا. يجب على الدول أن تضافر جهودها وتكثف تعاونها من أجل القضاء عليه. ويمكنهم تحقيق ذلك بسهولة أكبر من خلال عمل موازي ينصب على تنمية البلدان الإفريقية وتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان. من خلال التنمية، سنقلل من مجالات تكاثر الإرهابيين والأماكن غير الآمنة. كما أن الدول الإفريقية ليس لديها خيار آخر، إذا كانت تريد حقا مواجهة تحديات التنمية، إلا بالإنخراط في المسار الديمقراطي. اختيار قائم على التعبئة الشعبية وضمان مشاركة جميع القوى الحية والفاعلة.

ترجمه إلى العربية الأستاذ عبد العزيز بودرة

من “المسيد” إلى المدرسة الحديثة.. مسافة ضياع

*أحمد عصيد

واقعة فقيه “المسيد” بطل “الفلقة” السيئة الذكر، أثارت من جديد موضوع العنف الوحشي المسلط على الأطفال في تلك المدارس القرآنية التي ما زالت تعتمد أساليب عفا عليها الزمن، لكن اعتقال الفقيه ومحاكمته سُرعان ما كشفا عن الجزء المغمور من جبل الجليد، فقد تنازل أب الطفل عن حقه في متابعة الفقيه معتبرا إياه “راجل مزيان”، كما تسابق السكان في الثناء عليه معتبرين أسلوبه في التعنيف أمرا عاديا، مما يُظهر مقدار استمرار بديهيات الماضي في عقول الناس رغم كل التحولات التي طالت حتى مفهوم الطفولة ذاته، حيث يبدو أن هناك من ما زال يعتقد بأن الضرب والجرح والتعنيف المرَضي هي أمور ملازمة لتحفيظ القرآن، وأن عصا الفقيه اشتُقت من الجنة، وأن الأعضاء التي ينالها لهيب السوط أو العصا لن تحترق في جهنم، إذ يكفيها ما عانت في جحيم الدنيا داخل “المسيد”. هذا دون أن يطرح أحد السؤال عن الأسباب التي تجعل الأطفال الصغار يجدون صعوبة كبيرة في حفظ نصوص في لغة تفوق مستواهم وبمضامين لا يفهمونها.

ما يثير الخوف هو هذا المقدار من التجاهل للعنف واعتباره أمرا طبيعيا، مما قد يشير إلى اتجاه مجتمعنا نحو المصير الخطير الذي وقعت فيه مجتمعات أخرى في الشرق الأوسط، وهو التطبيع مع العنف بكل أشكاله الوحشية، مع اللجوء إلى  نفس آلية التبرير والشرعنة المقدسة المعتادة: استعمال الدين. ذلك أن أي شيء قبيح ولا يقبله عقل سليم في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يمكن تسويغه لدى العامة بالتوظيف السلبي للدين أو لكلام الدعاة والغلاة من الوعاظ والخطباء. فسواء تعلق الأمر بالإرهاب أو بكراهية غير المسلمين أو باحتقار المرأة وحرمانها من حقوقها الأساسية أو سوء معاملة الأطفال أو إنكار الحقائق العلمية أو معاكسة حقوق الإنسان أو تبرير الاستبداد أو أو كراهية الاختلاف، فالدين هو الوسيلة التي يتم اللجوء إليها لتوظيفها وفق قراءات يطبعها الغلو والتطرف لإضفاء شرعية على خطاب غير مقبول لا أخلاقيا ولا إنسانيا ولا واقعيا.

لقد سبق للعميد محمد شفيق في حوار هام له مع مجلة “إكونوميا” Economia، والذي نُشر مرة ثانية في كتاب “مهنة المثقف” Le métier d’intellectuel الذي أصدره كل من ادريس كسيكس وفاضمة نايت موس، سبق له أن حكى ما كان حدث له مع الملك الراحل الحسن الثاني، أيام كان كاتب دولة في التربية الوطنية، إذ طالبه الحسن الثاني بتقرير حول “المسيد”، فقام الأستاذ شفيق بصياغة تقرير علمي موضوعي حول هذه المؤسسة التقليدية، معتبرا في خلاصاته النقدية بأن “المسيد”  يؤدي إلى تحطيم الشخصية وإضعافها عبر اعتماد آليتين خطيرتين هما العنف، والحفظ والاستظهار بدون فهم. وبعد مدة وجيزة من اطلاع الملك الراحل على ذلك التقرير السلبي، أصدر تعليماته بـ “تعميم المسيد” وجعله إجباريا لجميع الأطفال. كما ألقى خطابا في ذلك يتداوله بعض المواطنين اليوم على “الواتساب” دون فهم سياقه ومراميه السياسية.

وقبل ذلك عندما تأسّس التعليم النظامي العصري بالمغرب في عهد الحماية، سرعان ما امتدت إليه سلبيات ثقافة “المسيد” بعد الاستقلال بسبب الطابع المزدوج للدولة نفسها، وباعتماد الكثير من معلمي الصبيان بـ”المسيد” مدرسين بالمدرسة نظرا للنقص الكبير في الموارد البشرية الكُفأة، ليجد التلاميذ أنفسهم في حصّة حفظ القرآن مُلزمين بتحمل العنف الجسدي مرة أخرى حتى وهُم في فضاء مغاير تماما، هو فضاء المدرسة بمفهومها الحديث الذي لا يقوم على العنف والاستظهار بدون فهم، بل على تنمية ملكات القراءة والفهم والتحليل والتركيب والنقد، وهكذا امتدّت حالة الضياع وهدر الزمن لتشمل فضاءات كان ينبغي أن يؤطرها منطق مغاير، وتفاقم الوضع بإقحام إيديولوجيا الإسلام السياسي في المدرسة العصرية بقرار من الدولة لحسابات ظرفية في نهاية السبعينيات، وبجعل المادة الدينية المتشدّدة عرضانية تؤطر كل المواد الدراسية الأخرى بما فيها العلمية، مما أجهض مشروع المدرسة الوطنية، وجعل الضياع يتحول إلى متاهة لا مخرج منها.

إن الانتقال من التخلف إلى الديمقراطية يقتضي من ضمن ما يقتضيه تغيير أنماط التفكير والسلوك التي ترتبط بسياقات قديمة، ومن أهم آليات هذا الانتقال اعتبار الإنسان كرامة قبل كل شيء، وجعله في مركز الاهتمام بوصفه اللبنة الأولى لتأسيس مجتمع المواطنة ودولة القانون، ولأجل هذا لابد من محاربة جميع أشكال العنف كيفما كان نوعها، وتعويضها بالمقاربات النفسية والسوسيوـ تربوية الفعالة والضرورية.

اليسار الفرنسي في مواجهة التطرفات

*محمد العوني

تحويل أمل الفكر والبرنامج إلى فعل انتخابي وسياسي ذلك ما حققه اليسار في فرنسا، وينبغي العودة إلى سنوات طويلة للإمساك بالفكرة المركزية لتحول وتحويل اليسار هذا، بعد أن بلورها منذ عقدين جان لوك ميلونشون ورفاقه.

قدم اليسار مقترحات عملية مثل تخفيض سن التقاعد، التخطيط الإيكولوجي، “توقيف “الأسعار، الزيادة في الحد الأدنى للأجور، تقديم أجر للطلبة، مساواة أجور النساء بالرجال …وغيرها. وعن طريق هذه المقترحات يثير اليسار الفرنسي قضايا كبرى مرتبطة بأزمات التضخم والقدرة الشرائية وغياب العدالة الضريبية …، وهي أزمات تشكل جزء مما صنعته النيوليبرالية التي تقول إن إجراءات اليسار ستقود إلى الندرة والجمود الاقتصادي…

مباشرة بعد الدور الثاني للانتخابات الرئاسية تأكد لليساريين إيكولوجيين، شيوعيين و اشتراكيين لاسيما مع النتائج الكارثية التي حصدوها، ما سبق وأكده واستخلصه ميلونشون ورفاقه خلال وبعد الانتخابات الرئاسية لسنة 2017 بأن التقدم في الانتخابات رهين بالوضوح السياسي والتكتل اليساري .وهو ما جسدته تجربة الاتحاد الشعبي ومرشحه ميلونشون، فقاومت المكونات اليسارية الثلاث اتجاهات التقوقع داخلها والاستمرار في تشتت اليسار واستجابت لليد الممدودة من قبل حركة فرنسا الأبية أو غير الخاضعين Les insoumis.

خاض اليسار معارك الانتخابات التشريعية والتعبئة لها جماهيريا، ولئن استفاد من كل ذلك رغم ضيق الزمن الذي لم يتجاوز شهرا بعد تشكيل “الاتحاد الفرنسي الجديد الايكولوجي والاجتماعي “بإثبات عودة اليسار للساحة السياسية وأكثر من ذلك إثبات انه البديل الممكن وأنه قطب المعارضة الأساسية، فقد وجد اليسار الفرنسي نفسه يواجه عدة تطرفات تلتقي ـ مهما تصارعت ـ حول ضرورة نفي البديل اليساري ونسف أسسه.

التطرف النيوليبرالي

لا تريد النيوليبرالية أن ينتبه الناس إلى أنها تدفعهم إلى أداء مقابل الأزمات التي خلقتها وأججتها، حتى عندما تقدم بعض “الدعم” للتغطية عن الزيادات التي تهم الكلفة الحقيقية لأسعار المواد وتوزيعها، بينما يطرح اليسار الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات التي تؤدي إلى النقص في جودة المواد الغذائية والاستهلاكية وقلة النظافة والمس بالسلامة الصحية وكلفها التي تفرض احترام المعايير البيولوجية والبيئية المستخلصة من التحديات الايكولوجية، وكذا اختلالات الخدمات العمومية …وهي أوضاع ناجمة في أغلبها عن تزايد الجشع والاحتكار والإثراء غير المشروع لدى ذوي رؤوس الأموال وتتجلى في امتلاك الفيلات والقصور واليخوت وغيرها من مظاهر التبذير والبذخ والترف . بينما يتحقق التعاضد الحقيقي والتضامن الفعلي حسب اليسار عبر تعليم وصحة وخدمات عمومية ذات جودة واستمرارية ومواكبة للتحولات، وفرض الضرائب على كبار الرأسماليين والحد من تهريب الأموال …

أفرزت الرأسمالية الفرنسية تطرفها النيوليبرالي على مراحل وخلال سنوات طويلة، وإن تشابهت في بعض الجوانب مع ما أفرزته نظيرتيها الأمريكية عبر ترامب والبرازيلية عبر بولسونارو… و جسدتها تجربتا ساركوزي ثم هولاند الذي كان بداية التغطية على التطرف النيوليبرالي اليميني برداء “اليسار الاشتراكي” ، ليخرج من جراب نفس الساحر الرأسمالي تغليف جديد لذاك التطرف بالوسطية التي تجمع اليسار واليمين في نفس الجراب.
ألم يترعرع ماكرون في حضن حكومة هولاند ليتربع على تدبير الاقتصاد وتعبد له الطريق المستقيمة والخالية من أي عائق نحو الرئاسة … ويكسر الحزبين الديغولي والاشتراكي ويخلط الأنواع وينمي اليمين العنصري ويعلن موت اليسار واليمين في نفس الوقت.

وإذ ليست البلدان والدول مثل الإنسان الذي يمشي على رجلين يمنى ويسرى، بل تتحرك البلدان في عدة جبهات بالكثير من الأذرع والأرجل وبعدة آليات وديناميات وبقيم ومبادئ، في نفس الوقت، وقودها أو أهم محركين لها العيش الكريم والتغيير اللذان يقودان حسب الفلسفة والسياسة الإنسانيتين إلى السعادة أو على الأقل للحد من التعاسة. ومن ثمة تصبح المحافظة اليمينية عائقا كبيرا لاسيما وهي تتسلح بإيديولوجيات وآليات تبريرية وتضليلية ضخمة…
والخريطة الناجمة عن انتخابات 19 يونيو 2022 لن تضع حدا نهائيا لألاعيب وحيل التحالف الرئاسي وتطرف النيوليبرالية التي يجسدها، وستستمر محاولات خلط أوراق المواقع والألوان السياسية، وتحميل اليسار مسؤولية فشل الدولة وصعود اليمين المتطرف لأن التضليل الإيديولوجي والإعلامي من الآليات الثابتة للتطرف النيوليبرالي.

التطرف العنصري اليميني

لئن أثبت اليسار باتحاده وبرنامجه وحذقه الانتخابي أنه حي وأن مشروعه قادم، فإن اليمين المتطرف استفاد بقليل من الجهد بدوره من الحراك الانتخابي الذي خاضه اليسار فبلغ لأول مرة لفريق برلماني من 90 عضوا، استفاد مثلا في كثير من الأحيان من المصوتين على الاتحاد اليساري في الدور الأول دون تمكن ممثل ـ ة الاتحاد من المرور للدور الثاني، وكذا من الفعالية الإعلامية للمتدخلين اليساريين ونسخ ونقل العديد من مطالبهم وحججهم.

فالدراسات تؤكد أن المصوتين على هذا اليمين لا يحركهم فقط عامل الأمن أو بالأحرى اللأمن الذي يربط بميكانيكية تبسيطية ومغرضة بالمهاجرين و أحياء الضواحي، إنما تحركهم كذلك عوامل السخط على السلطة والغضب من أوضاع التفاوتات والفقر والاستغلال والاحتكار…

وليس صدفة خالصة أن تجرى في هذه الفترة بعض أطوار محاكمة عبد السلام صلاح الوحيد الذي لم يفجر نفسه خلال عمليات باريس الإرهابية سنة 2015.
ومع ذلك اندحر إيريك زمور…

التطرف الديني

التطرف ظاهرة مشتركة بين مختلف الأديان، في فرنسا وفي غيرها.

التطرف المسيحي الذي يغذي العنصرية والكراهية كما يتغذى من اتجاه أقصى وأقسى اليمين العنصري الذي يتقوى في الغرب والشرق،

التطرف اليهودي الذي يمول ويسلح الصهيونية، ويخلط بين العداء للسامية ومقاومة الصهيونية ويغذي ويؤطر التطرف العنصري والكراهية خاصة ضد المسلمين.
والتطرفان معا يحفزان التطرف الإسلامي العنيف ويقدمان له أحسن وقود، كما يستمر التطرف بين المسلمين في إبعادهم عن جوهر الإسلام وتشبث الكثير منهم ببعض القشور والطقوس التي تعطي مبررات جاهزة للعنصريين مثل شكل اللباس …

وغالبا ما يتحول التطرف الديني إلى إرهاب بمختلف أشكاله، ولعدة أسباب يبرز الإرهاب الإسلامي، ليس فقط بسبب التركيز عليه دون غيره من اشكال الارهاب ومنه إرهاب الدولة لدى البلدان الغربية والإرهاب الصهيوني وكل هاته الإرهابات تستعمل أقصى حدود العنف والسلاح والاعتداء على الأبرياء والمدنيين؛ وهذا التوضيح ليس من أجل التبرير للتطرف الإسلامي، بل للقول بأن ضرره يعم الجميع وأول ضحاياه هم المسلمون ليس فقط لأنه يخلط بين المقاومة والتطرف والإرهاب وإنما أيضا لأنه يخلط بين ساحات المعارك وأسلحتها…

التطرف اللامواطن واللاسياسي

تطرف بعض الناخبين من مختلف الطبقات والفئات الذين يدمنون على المقاطعة، بحجج مختلفة قد يكون بعضها صحيحا لكن استعمالها لا يتم بشكل صحيح، ومن ضمنها التعميم بأن كافة السياسيين لا يستحقون الثقة…

لامحالة أن النظام السياسي الفرنسي يدفع بعض الفئات الى المقاطعة الانتخابية دفعا، ليتمكن من تحصين وتضخيم أصوات البرجوازية، ولإبعاد الناس عن جوهر المعركة السياسية في فرنسا المتمثلة اليوم في إنقاذ الديمقراطية وترسيخ المواطنة المهددتين.

مما يجعل المقاطعة الواعية وغير الواعية لا سياسية ولا مواطنة.

بهذه المعركة والمعارك السابقة يتقدم اليسار الفرنسي في مواجهة هذه التطرفات بشكل حثيث إلا أن الطريق أمامه شاق وعسير ومليء بالمنعطفات، وسيتطلب مزيدا من تجميع عناصر القوة والعمل بنفس طويل …

فهل يستفيد اليسار المغربي من دروس التجربة أو تجارب اليسار الفرنسي؟ وكم من الوقت سيحتاج من أجل أن يستفيد؟

البيجيدي والأعطاب والهواجس النفسية لبنكيران

*كمال السعيدي

لاحظت بأن جميع المؤتمرات الجهوية التي عقدها حزب العدالة والتنمية مؤخرا أشرف عليها السيد بنكيران بنفسه أي بصفته الأمين العام للحزب.. لقد استطاع الرجل استعادة وضعه في قمة هرم القيادة بعد المؤتمر الأخير ولكن الحزب الذي استلمه ليس هو نفسه الذي كان قد قاده ثم سلمه من قبل..

يبدو الأمر كما لو أن الحزب أصبح فعلا حزب الفرد أو حزب بنكيران، وليس حزب العدالة والتنمية كما تعرفنا عليه وعلى نخبه وقيادييه وجماهيره.. ولا أقصد هنا مسألة الوزن الانتخابي والسياسي فقط ولكن أيضا تلك البصمة التي تميز كل إطار سياسي وحزبي وتمنحه خصوصيته وهويته في المشهد..

لم أتفق يوما مع مشروع العدالة والتنمية بل لعلني على طرفه النقيض، إلا أنني رغم وعيي بمدى محافظة مشروعه وخطورته أحيانا، كنت أقدر دائما وبعيدا عن النزعات الاستئصالية بأنه حزب يتمتع على كل حال بنوع من الحيوية والتنظيم المحكم والعصري على مستوى الشكل وأنه قد يساهم في تنشيط الحياة السياسية وتأطير فئات مهمة من الشعب مقتنعة بمشروعه، وكنت آمل أن يتحول الحزب مع الممارسة إلى تبني قيم أكثر انفتاحا وديمقراطية تخرجه من شرنقة أصوليته..

لكن يبدو اليوم بأن فداحة الخسارة الانتخابية ثم الخرجات الشعبوية لزعيمه الجديد القديم الحريص على الحضور والظهور الدائم في الإعلام والمصر على تنزيل الخطاب السياسي إلى مستويات العروض الفرجوية والشتائمية بشكل لا يليق أبدا برئيس حكومة سابق ولا بمن يدعي الانتماء إلى مشروع يقوم على مكارم الأخلاق ، لا تبشر بذلك ..

برر السيد بنكيران عودته إلى القيادة بمهمة شبه خلاصية وهي إعادة بناء حزب مدمر وإخراجه من أزمته التي قد تعصف به وبوجوده، لكن ما يقوم به في الواقع لن يسهم في رأيي إلا في تكريس مزيد من الانحطاط والخسائر لهذا الحزب الذي أصبحت تهجره نخبه وأصبح يتحول تدريجيا من حامل لمشروع (لا نتفق كلنا معه طبعا) إلى مجرد إطار للتعبير عن الأعطاب والهواجس النفسية والمرضية لزعيمه الذي أضاع فرصة الخروج من مستنقع السياسة بشرف وبما يحفظ به شيئا من ماء وجهه أمام التاريخ..

أشباح يثقلون ميزانية الجماعات

*إدريس الأندلسي

حين تكتشف رئيسة مجلس العاصمة أن الموظفين الأشباح كائنات حية وتطيل الكلام عن الموضوع أمام منشط برنامج ذو قدرة كبيرة على الاستفزاز الجميل، فهذا فيه ما فيه من الكلام.
من زمان وأغلب من انتسبوا بإرادة أو بغيرها إلى فرق اللعب في مكاتب الإدارات العمومية يعرفون ظاهرة الحاضر الغائب. وقد تعودنا في زمان مضى حسب ظني عن وجود مكاتب فارغة يوجد بداخلها كرسي يحمل معطفا وبعض ربطات العنق.

وفجأة يظهر شخص كنت أظنه غير موجود يسلم علينا بأدب ويجري بعض المكالمات الهاتفية قبل ظهور الهاتف المحمول ثم يمضي. ولا نراه إلا بعد وقت طويل. وعلى العكس من هذا الشبح الذي كان يخشى الجميع قدرته على إيذاء من اقترب منه، كان الآخرون العاملون يخافون من وصول متأخر إلى مكاتبهم.

أتذكر أحد الموظفين في مصلحة كنت أرؤسها يصل إلى مكتبه قبل الجميع ويتولى تصفية ما لديه من أعمال يومية ثم ينصرف. كنت احترمه لأقدميته وإتقانه للتعامل مع الحسابات الخصوصية للخزينة والتي تتطلب كثيرا من التجربة.

هذا الموظف، رحمه ألله، كان لطيفا وجديا وكان يقدرني كأحد أبناءه رغم أني كنت، بكثير من الخجل، رئيسه. ولج إلى الإدارة التي كنت اشتغل بها سنة 1953 أي قبل ولادتي بأشهر. كان مهووسا بأناقة العمل و قليل الكلام. فاجأني في أحد الأيام حين تكلم ،مع مديري الذي كان يحاول إفراغ بعض المكاتب، بكثير من الصراحة وذكره بيوم وصوله إلى مديرية من أقدم مديريات وزارة المالية. آنذاك كنا مجموعة صغيرة في إدارة همها كبير ووسائلها البشرية محدودة جدا.

في بعض الأحيان كنا نقضي الليالي لإتمام مهمة وخصوصا حين أصبح صندوق النقد الدولي يتساكن معنا في مكاتب ضيقة. كنا نحرص على أن لا نزعجهم ولكن تساكني معهم في مكاتبهم في واشنطن لشهور أزال عن عيناي غشاوة السلطة الممزوجة بخبرة مالية محدودة والتي كانت توصف أنها دولية وأصبحت أمتلك أدواتها عن ظهر قلب مع الكثير من الزملاء.

ورجوعا إلى الموظفين الأشباح، وجب القول أن الممارسة السياساوية بعد 1977 خربت الوظيفة المحلية. أصبح بعض الاميين أمريين بالصرف وخاضعين للحي والمدينة والحزب والنقابة واستغلوا غياب إطار رقابي لوزارة الداخلية آنذاك لكي يضعون لوائح التعيينات بعد علمهم بنتائج الانتخابات. ويصل الرئيس الجديد وهو ملزم على تطبيق قرارات من كان قبله رئيسا. صحيح أن الوزارة الوصية أوقفت المهزلة ولكن آثار السنين التي مضت لا زالت حاضرة.

قدر لي أن افتحص إحدى البلديات القريبة من الرباط وفوجئت أن العاملين بها يفوقون بكثير حجم المهام الموكلة إلى البلدية. وأردت أن أحلل بنية توزيع الموظفين فاكتشفت أن 540 من بينهم موكل إليهم رعاية المناطق الخضراء.

قررت أن أزور جميع هذه المناطق فلم أجد سوى بعض البستانيين ولا أحد غيرهم. ولما طلبت من الرئيس في ذلك الزمن إعطاء أي جواب عن هذا الوضع ظل صامتا. ولأن متابعة الموضوع تحتاج إلى أشهر كثيرة تمت الإشارة إلى موضوع الأشباح دون القدرة على كشف هوياتهم وتفاصيل ملفاتهم.

وحكى لي أحد الزملاء أنه أكتشف بالصدفة وجود موظفين أشباح في إحدى الوزارات بعد مقارنة لوائح الموظفين الذين يشتغلون فعلا داخل المصالح والاقسام واللائحة التي يتم على أساسها صرف الرواتب والتعويضات فوجد أن الأمر يتعلق بأشباح غير موجودين. وبعد العلم بالموضوع، حكى لي ذلك الزميل أن المسؤول عن هذا الملف أقدم على الانتحار.

الآلاف من مناصب الشغل على صعيد الجماعات الترابية شكلية وتتطلب البحث الموضوعي و المساءلة. و إذ ذاك سيختفي الشبح الذي كان يحظى براتب وتعويضات أخرى. دولتنا دولة قانون أولا ودائما. والزيف لا بد أن ينكشف. يا كل عمداء المجالس أنتم مسؤولون عن محاسبة الأشباح. غدا تحاسبون أللهم إن المواطنون قد بلغوا.

ومن اللازم أن تتم الإشارة لكثير من موظفي الجماعات الذين يتحملون أعباء كبيرة ويقومون بواجبهم بكثير من الالتزام. كل هذا في وقت يقضي بعض زملاءهم وقتهم في المقاهي أو في مهن أخرى و هم محميون من المساءلة ومن الإجراءات التأديبية.

إقرأ المزيد : https://al3omk.com/755806.html

البحرية الملكية تنقذ 105 مرشحا لـ”الحريك”

ومع-متابعة

علم لدى مصدر عسكري أن وحدات لخفر السواحل تابعة للبحرية الملكية، تعمل في البحر الأبيض المتوسط، قدمت، خلال الفترة من  17 إلى 20 يونيو 2022، المساعدة لـ 105 مرشحين للهجرة غير الشرعية، ينحدر معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء، من بينهم 20 امرأة و 11 طفلا كانو يواجهون وضعية صعبة على متن قوارب تقليدية الصنع ودراجات مائية (جيت سكي) وقوارب للتجديف.

وأوضح المصدر ذاته أن المرشحين الذين تم إنقاذهم، تلقوا الإسعافات الأولية على متن وحدات البحرية الملكية، قبل أن يتم نقلهم إلى أقرب موانئ المملكة وتسليمهم للدرك الملكي للقيام بالمساطر الجاري بها العمل.

الخارجية المغربية تعين 16 قنصلا في عدة بلدان

ومع-متابعة

تم تعيين ستة عشر قنصلا عاما جديدا في عدة بلدان إثر فتح باب الترشيحات، وذلك في إطار عملية الحركة الانتقالية السنوية لموظفي وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.

وأوضحت الوزارة، في بلاغ اليوم الاثنين، أنه استيفاء للمعايير التي توفق بين الدماء الجديدة والتشبيب والخبرة المؤكدة ، تم تعيين 56 في المائة من القناصلة العامين المعنيين بهذه الحركة لأول مرة، مضيفة أن النساء يمثلن 40 في المائة من هذه المناصب، ويشغلن مناصب قنصلية مهمة على غرار باريس ولاس بالماس.

وأكد المصدر ذاته أن هذه التعيينات تعكس كذلك تنفيذ مخطط المسار المهني والحركة الانتقالية، حيث يشغل 60 في المائة من القناصلة العامين المعينين مناصب المسؤولية على مستوى الإدارة المركزية والبعثات الدبلوماسية.

وتابعت الوزارة أنه، وسعيا لتعزيز التجارب الإيجابية ، تم نقل بعض القناصلة العامين إلى مراكز قنصلية أخرى: مثلا من أورلي إلى باريس ، ومن رين إلى باستيا .

وبخصوص إعادة تنظيم الخريطة القنصلية في منطقة باريس، سجل البلاغ، أنه سيتم افتتاح القنصلية العامة للمملكة المغربية في مانت لا جولي.