في سياق إقليمي ودبلوماسي يتسم بحساسية ملف الهجرة، يبرز موقف الملك محمد السادس بشأن طبيعة الشراكة مع إسبانيا باعتباره تأكيداً على أن التعاون بين البلدين ينبغي أن يستند إلى الاحترام المتبادل وتكافؤ الالتزامات، بعيداً عن الضغوط السياسية أو محاولات توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب داخلية.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة في ظل تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة نهاية يوليوز الماضي، وقبيل الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية المحتلتين، وهي محطة تثير اهتماماً سياسياً ودبلوماسياً بالنظر إلى توقيتها وانعكاساتها المحتملة على العلاقات بين الرباط ومدريد.
وفي هذا الإطار، أكد الملك محمد السادس أن «الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز»، في رسالة تعكس تمسك المغرب باستقلالية قراره في تدبير علاقاته الخارجية، ورفضه تحويل التعاون الثنائي إلى وسيلة للضغط أو ورقة للمساومة السياسية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن انتقاد التصريحات التي وصفها الخطاب بغير المسؤولة، ومحاولات استغلال ملف الهجرة في النقاشين السياسي والإعلامي. فالمغرب، وفق هذا المنظور، لا يرفض التعاون مع شركائه، لكنه يرفض اختزال علاقته بأوروبا في الدور الأمني المرتبط بمراقبة الحدود والحد من تدفقات المهاجرين.
وتتجاوز دلالات الرسالة الملكية الجانب المرتبط بتدبير الهجرة، لتؤكد ضرورة بناء علاقة متوازنة تقوم على توزيع المسؤوليات والوفاء المتبادل بالالتزامات، بما يحفظ مصالح البلدين ويحول دون تحميل طرف واحد تبعات أزمات تتداخل فيها عوامل قانونية واجتماعية وسياسية.
كما يسلط الموقف الضوء على محدودية المقاربات التي تحصر معالجة الهجرة في التدخلات الأمنية، في وقت تتشابك فيه القضية مع الإجراءات القانونية، وتدبير أوضاع القاصرين، وملفات اللجوء، فضلاً عن نشاط الشبكات الإجرامية التي تستغل هشاشة المهاجرين لتحقيق أهدافها.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار التعاون بين المغرب وإسبانيا يظل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على تنسيق جهودهما ضمن رؤية شاملة، لا تقتصر على مراقبة الحدود، بل تشمل أيضاً معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى الهجرة غير النظامية.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب زيارة فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية المحتلتين، المقررة يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، بحسب المعطيات الواردة بشأن الزيارة. وتأتي هذه المحطة في سياق سياسي حساس، بالنظر إلى رمزية المدينتين في العلاقات المغربية الإسبانية، وما يثيره ملفهما من اعتبارات سيادية ودبلوماسية.
وتحمل الزيارة، بالنظر إلى طبيعة المكان وتوقيتها، أبعاداً تتجاوز البروتوكول الملكي، إذ تأتي في ظل نقاش داخلي إسباني حول تدبير الهجرة، وضغوط المعارضة اليمينية على حكومة بيدرو سانشيز بشأن سياستها تجاه المغرب. وهو ما يجعل أي تحرك سياسي مرتبط بالمدينتين محط اهتمام في الرباط ومدريد على حد سواء.
غير أن الربط بين الخطاب الملكي والزيارة المرتقبة ينبغي أن يظل في حدود القراءة السياسية للسياق، ما دام الخطاب لم يتناول الزيارة بالاسم. ومع ذلك، فإن التأكيد على رفض الضغط والابتزاز يضع مبدأ الاحترام المتبادل في صلب النقاش بشأن مستقبل العلاقات الثنائية، ويعيد التذكير بأن استقرار الشراكة لا يتحقق بالمزايدات، بل بالوضوح والثقة والالتزام.
وفي المقابل، يفتح إعلان المغرب عزمه تقديم وثيقة تتضمن رؤيته الاستراتيجية للتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي آفاقاً لتوسيع مجالات التعاون، بما يجعل الشراكة أكثر شمولاً من مجرد تنسيق أمني حول الحدود والهجرة.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في سعيها إلى نقل العلاقات المغربية الإسبانية من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى منطق الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد، القائمة على المصالح المشتركة واحترام خصوصية كل طرف واختياراته السيادية.
وفي المحصلة، تضع الرسالة الملكية مدريد أمام مسؤولية الحفاظ على التوازن الذي تحتاج إليه العلاقات بين البلدين، خصوصاً في ظل حساسية ملف سبتة ومليلية المحتلتين وتزايد توظيف الهجرة في التجاذبات السياسية الداخلية الإسبانية.
فالمغرب، وفق الموقف الذي عبّر عنه الملك محمد السادس، متمسك بالتعاون والانفتاح على شراكات بناءة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذا التعاون لا يمكن أن يكون على حساب مصالحه الوطنية أو استقلالية قراره. وهي معادلة تجعل الاحترام المتبادل أساساً لاستمرار الشراكة، وتضع أي محاولة لتحويلها إلى أداة للضغط أمام اختبار حقيقي لمستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد.




